الغـــــــيرة الزوجية بين مطرقة الواقع وســـــندان الخطر

العدد: 9284

4-2-2019



إن الغيرة اللاعقلانية التي تهبط على البعض دونما أسباب سليمة وواقعية هي فعلاً كالقنبلة التي ينبغي نزع فتيلها قبل أن تتفجر محدثة هزة عصبية ونفسية، وقد أخفق الكثيرون في زواجهم بسبب سيطرة بعض الأفكار الخاطئة على أذهانهم ونفسياتهم، بل تعدى الأمر في بعض الأحيان ليصل إلى درجة القتل أو الانتحار في حالات الغيرة المرضية التي تتطلب تدخل الطب النفسي لمعالجة الأمر وإنقاذ الموقف.
ولا نقصد هنا الغيرة التي يفتش عنها (جميل) ويعمل جاهداً ليدفع زوجته (هناء) لكي تغار في مسلسل (يوميات جميل وهناء)، وإنما الغيرة عندما تتفاقم وتستلزم العلاج ونظراً لأهمية الموضوع التقت الوحدة مجموعة من الأطباء أخصائيي أمراض نفسية لشرح ماهية هذه الغيرة وكيفية العلاج..
تتجلى الغيرة بأفكار ومشاعر تظهر عندما تبدو العلاقة مهددة وقد يرافقها اضطراب في النوم وقلق وحزن وضيق وبكاء أحياناً، وحتى درجة اليأس وانعدام معنى الحياة، وهذه المشاعر قد تعزز بالحسد لصفات الشخص المنافس والتي تنقص الغيور، وقد لوحظ إننا نميل للغيرة من هؤلاء الذين يمتلكون مزايا نفتقر إليها، وبشكل عام تحسد النساء على الجاذبية والحضور والشعبية، أما الرجال فعلى الغنى والشهرة خاصة، أما أكثر الناس عرضة لمشاعر الغيرة من الآخرين فهم الذين يتصفون بثلاث مزايا رئيسية: التقليل من القيمة الذاتية، ثانياً: يضعون قيمة كثيرة لصفات مثل: الغنى والشهرة والجاذبية، لا يستجيب كل الناس على الغيرة بنفس الطريقة وهناك اختلاف بين الرجل والمرأة بكيفية الاستجابة للغيرة، فالمرأة بشكل عام أكثر ميلاً للاعتراف بمشاعر الغيرة، في حين يميل الرجل لإنكارها وتتركز غيرة المرأة خاصة على المشاركة العاطفية لشريكها مع امرأة أخرى في حين تتمحور غيرة الرجل على العلاقة بين حبيبته وشخص آخر، وغالباً ما تلوم المرأة نفسها على الغيرة، في حين يلقي الرجل اللوم على طرف ثالث قد يلجأ الزوجان للتفتيش في أشياء الآخر بحثاً عن الأدلة على الخيانة مع المغالاة في الأسئلة عن العلاقات وقصص الحب الماضية، إن الغيرة شعور غير مريح يمكن أن يخنق السعادة في العلاقة الزوجية، وهي تملك تأثيراً متناقضاً فهي من جهة ارتكاس يهدف إلى المحافظة على العلاقة والاعتبار والقيمة الذاتية، لكن ذلك يصبح عرضة للدمار جراء الغيرة، أما الغيرة المرضية فهي قناعة راسخة لدى الشخص بأن شريكه الزوجي خائن وغير مخلص، وهذه القناعة توهم قائم على أرضية صحيحة، وغير مدعم بحجج واقعية وغير قابلة للتصويب، وهذا بطبيعة الحال يختلف عن حالة الرجل الذي يجد زوجته في وضع خيانة مع رجل آخر يمكن حينها أن يسلك طريقة غير مسيطر عليها، وهي غير مرضية في هذه الحالة، لأن مصطلح الغيرة المرضية يطلق فقط عندما لا تستند الغيرة إلى حوادث ثابتة ومعللة، وتأتي أهميتها من خطورة عواقبها، والتي تصل إلى درجة القتل، ومعظم الدراسات تشير إلى أنها أكثر حدوثاً لدى الرجال بنسبة 1،5 السمة الأساسية الثابتة هنا اعتقاد خاطئ راسخ بالخيانة الزوجية، وقد يشارك هذا التوهم اعتقادات خاطئة أخرى مثل الشك بالتآمر عليه، ومحاولة تسميمه والعدوى بأمراض زهرية، ومن صفات هذا الاعتقاد وجود قناعة لدى الزوج أن زوجته فاسدة ومنحلة، وأن هذا متأصل فيها وجذري منذ ولادتها وهذا سبب خيانتها، وهي القناعة التي لا تقبل الجدل موجهة نحو الماضي والحاضر، ويتهمها بأنها تخطط لقتله بالتعاون مع عشيقها، والحقيقة أن سلوك هؤلاء المرضى يتصف بسمتين أساسيتين: سلامة التصرف في الحالات التي لا تخص الموضوع حتى ليبدو أنه شخص طبيعي تماماً، واللجوء إلى طرق بوليسية في مراقبة زوجته سراً، فالمريض قد يبحث بدقة عن الأدلة الدافعة على الخيانة، كما أن القناعة تلك تقود المريض إلى سلوك سادو- ماسوشي في تعامله مع زوجته باستجوابها المرهق والدقيق وضربها وتعريضها لأذيات جسدية لانتزاع الاعتراف منها وسجنها في المنزل أحياناً دون السماح لها حتى بفتح النوافذ أو الستائر أو استخدام الهاتف.
كل ذلك قد ينتهي بالقتل والانتحار، ويكون مزاج الغيور متراوحاً حسب الاضطراب النفسي وهو مزيج من البؤس والخوف والتهيج والغضب، أما أسباب الغيرة المرضية فهي طيف واسع من اضطرابات نفسية مثل انفصام الشخصية من النوع الزوري، البارانوما، الاضطرابات الوجدانية، العصابات ، اضطرابات الشخصية، الإدمان على الكحول والمخدرات والاضطرابات الدماغية المختلفة. إن طبيعة الشخصية قبل المرض تلعب دوراً هاماً في الغيرة المرضية، فالمريض لديه إحساس سابق بالنقص كما لديه نقص في التقييم الذاتي ونقص من ثقته بنفسه ووجود تناقض بين طموحه وإنجازاته، ومثل هذه الشخصيات حساسة غالباً لأي شخص يمكن أن يفاقم الإحساس بعدم الأهلية مثل فقدان المنصب أو التقدم بالعمر، ولمواجهة هذه التهديدات يمكن أن يسقط الشخص اللوم على الآخرين على شكل غيرة أو اتهام بالخيانة.
وعلى أي حال للراغبين بالتقليل من مشاعر الغيرة أشار (والستر) إلى الاقتراحات الآتية:
أولاً حدد بالضبط ما الذي يجعلك تغار؟ اختبر مشاعرك وقناعاتك وأفكارك عن كثب هل الحالة أزمة كرامة؟ هل تعتقد أن الشخص الآخر يخصك كإحدى مقتنياتك؟ هل الموقف الذي استدعى الغيرة يؤدي إلى الخوف من ضياع العلاقة؟ وثانياً: من المهم وضع مشاعر الغيرة بمنظورها. والمهم أن تسأل نفسك: ماذا يعني إرادتي أن أكون مختلفاً؟ ماذا أريد فعلاً؟ لماذا؟ وبعد الفهم العميق لما هو مقلق لك ومسبب للغيرة تكون الخطوة الثالثة لك ولشريكك وهي مناقشة العوامل الخارجية المشاركة كطرف في الغيرة والتوصل إلى اتفاقية بشأن ذلك. ولا بد على كل حال من إعادة الثقة بالنفس والتحكم بالسيطرة على الذات والدعم الذاتي الذي يتضمن التفكير بالمزايا الجيدة للشخص والقيام بنشاطات ممتعة ثم التجاهل الانتقائي للطرف الآخر المسبب باعتباره لا يملك تلك الأهمية. أما علاج الغيرة المرضية فمهم جداً تجنباً للمخاطر الكبيرة الناتجة عنها وعلى رأسها القتل والانتحار ويتم ذلك بتقييم حالة المريض بشكل مفصل والوقوف على العوامل المسببة من أمراض نفسية، والتعرف على شخصيته السابقة، وذلك بالحديث مع من حوله ومعه لاحقاً ثم يوجه العلاج للمرض النفسي الأصلي وأساسه العلاج الدوائي لدى المرضى الفصاميين والاكتئابيين. في حين يكون العلاج النفسي والسلوكي المعرفي مفيداً للمرضى العصابيين وتعليمهم آليات إنقاص التوتر، وضبط العدوانية والغيرة وفق سلوكيات خاصة.

رفيدة يونس أحمد


طباعة   البريد الإلكتروني