المواطــن.. دليلــــي احتـــار

العدد: 9282

31-1-2019

أنتَ.. تمهّل قليلاً، ضع سمّاعة الهاتف من يدك، فما تريد أن تتصل من أجله ليس ضرورياً، وكان بإمكانك أن تنجز مكالمتك الصباحية من هاتف بيتك قبل أن تأتي إلى دوامك!
لو أنّ ابنك ألقى (محرمة) صغيرة على سجادة بيتك لأشبعته محاضرات في الأخلاق والتربية، فما بالك تطفئ سيجارتك بالوجه الأسفل لمكتبك أو تدهسها بقدمك في كلّ مكان من مقرّ عملك!
انتهيتَ من عملك، لم تنسَ أن تأخذ صحيفتك المخصصة، أو بضعة أوراق من هنا وهناك من أجل دروس أبنائك ودراستهم، لكن هل نسيت أن تطفئ مصابيح الإنارة في مكتبك، إذاً عدْ وتأكّد من ذلك..
مع أنّ الخطوط الفاصلة بين ما هو (حقّ) وما هو (واجب) واضحة تماماً، وعلى الرغم من كثرة المقولات (الأخلاقية) التي تنفي الحقوق ما لم تقترن بأداء الواجبات إلا أننا في معظم الأحيان لا نعترف إلا بما نعتبره حقّاً، وإذا ما ناقشنا أحد بالواجبات قلنا له: هل هي واقفة علينا؟
في أزماتنا المعيشية الأخيرة والتي ارتبطت بأساسيات العيش أين وقفنا وكيف فهمناها، وكيف مارسناها، وأي كفّة رجحت على الأخرى؟
لن (نتفلسف) في قراءة الواقع وإنما سنأخذ حالات منه أقرب ما تكون إلى البساطة ونعلّق عليها أن نعقد ما يشبه المناقشة العلنية لها..
نستغرب أحياناً كيف تستطيع (زوجة) أن تفرض قانونها الصارم على كل جزئيات حياة أسرتها، ولا تستطيع قوانين وعقوبات فعل ذلك؟
الاستيقاظ للزوج والأولاد بوقت معلوم، لا يقابله التزام من قبل الزوج على سبيل المثال ببدء دوامه في وظيفته؟
مواعيد النوم، تناول الطعام، الزيارات.. تستطيع امرأة أن تفرضها في منزلها، ومواعيد الدوام وحجم العمل فيه كما أسلفنا لا تستطيع أن تفرضها (دولة) عبر قوانينها وعقوباتها و..
سرقة مال الدولة حلال.. ليس شرطاً أن يكون المال المسروق أوراقاً نقدية، عندما تسرق وقت الوظيفة، أو تستغل أي شيء بهذه الوظيفة لأغراض لا علاقة لها بالعمل المكلف به فأنت تسرق!

بين ما يراه حقّاً وما يغيب عنه واجباً!


الحقوق كثيرة.. والواجبات توازيها
حقوق الإنسان في كلّ مكان من العالم هي نفسها، وحقوق المواطن في كلّ دولة تحددها القوانين النافذة في هذه الدولة وبشكل يتناسب مع الواجبات التي عليه القيام بها..
الكهرباء حقّ للمواطن، لكن ترشيد استهلاكها وعدم استجرارها بشكل غير مشروع واجب عليه..
الماء من أساسيات الحياة، وعلى الدولة أن تؤمن مياه الشرب ومياه الاستخدامات الأخرى وعلى المواطن أن يحرص عليها فلا يستخدمها إلا على قدر حاجته الفعلية لها، فلا تكلّف (حلاقة الذقن) خمسين لتر ماء!
الخبز، هذا الذي اعتبر خطاً أحمر، لا يصحّ أن يكون كذلك في اتجاه واحد، فكما هو خط أحمر لدى الدولة ولم تقصّر يوماً في تأمينه فهو خط أحمر للمواطن، فلا يجوز أن يهدر نصف ما يشتري من خبز أو يحوّله إلى علف للماشية أو للبيع (خبز يابس)!
بين القطاع العام والقطاع الخاص
المواطن هو نفسه، يعمل صباحاً في القطاع العام، وبعد الظهر في القطاع الخاص، قبل الظهر هو شخص فوضوي، لا مبالٍ، ينام على مكتبه، يرمي الأوساخ بين قدميه، يتسلّى بـ (تنجير مكتبه).. وبعد الظهر يصبح قمة في الالتزام والحرص والانضباط!
إذا أغلق باب (السرفيس) بعنف يعتذر أو يأخذ نصيبه من التوبيخ من قبل صاحب السرفيس، أما في باص النقل الداخلي فلا علاقة لأحد به، يخلع المقعد، يكسر الباب.. الباص للدولة ومال الدولة (سايب)!
ولماذا يكون مدرّس الرياضيات بارعاً عندما يعطي الدروس الخصوصية في منزله أو في منزل الطالب بينما يقضي حصّته في المدرسة مزحاً وتضييعاً للوقت؟
ولماذا.. ولماذا.. أترك بقية الأسئلة والمقارنات لكم.

بين الداخل.. والخارج
والمواطن هو نفسه، يخترق كلّ قوانين بلده في الشارع، في مكان العمل، على محطات الوقود، في الملاعب، بينما يكون مثالياً عندما يكون خارج بلده في بلدان تدفع له بالريال وبالدولار!
تختزن الذاكرة الكثير من الصور في ملاعب كرة القدم في سورية حيث تتكدس بها قشور البذر وفوارغ أكياس الشيبس وعلب الكولا وغير ذلك بعد كلّ مباراة، وأسعدنا كثيراً أن تتناقل وكالات الأنباء صور الجمهور السوري في الإمارات والذي كان ينظّف مدرجات الملعب قبل الخروج منه ويجمع كل البقايا بصور حضارية رائعة.. لماذا لا يفعل ذلك عندما يكون داخل حدود الوطن؟

أيـّهما يتقدّم على الآخر: الحقّ أم الواجب؟

في المعطيات الرسمية.. والشعبية
من الظلم أن يكون الحكم على (الدولة) من خلال سنوات الحرب التي فرضت علينا، ومع هذا لا نبرر لأي جهة تقصيرها تجاه المواطن ولكننا نبحث عن (الأسباب التخفيفية) حتى لا نستمر بجلد أنفسنا وإغلاق طاقات الأمل التي يجب أن نوسّع استدارتها بالمزيد من التحمّل والمشاركة بالخروج من الأزمات رويداً رويداً..
هناك أعباء لا يمكننا النهوض بها كمواطنين كإصلاح الشوارع أو توفير الكهرباء أو التحكّم بنوعية رغيف الخبز وغير ذلك، لكن هناك أموراً أخرى يمكننا القيام بها ونجبر من خلالها الدوائر الخدمية أن تلتفت إلى ما نعجز عنه، فبإمكاننا أن ننظف مدينتنا، وأن ننجز نصف أعمال النظافة من خلال التزامنا بمواعيد إلقاء القمامة وضرورة وضعها بأكياس مربوطة ووضعها في المكان المخصص لها، وامتلاك ثقافة النظافة العامة وغير ذلك..
وبإمكاننا فعلاً ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه فنوفرها ساعة إضافية على الأقلّ..
وبإمكاننا أن نكون أكثر فاعلية في أماكن عملنا فنحقق مردوداً إيجابياً لا بدّ أن ينعكس ولو جزء منه علينا!
القصّة ليست قصة من كان أولاً: الدجاجة أم البيضة، الحكاية هي أن نستمر بحدّ أدنى من التعب وبحدّ أدنى من الحقوق ولو ارتقينا إلى السقف الأعلى بواجباتنا، فبالنهاية الدولة أمّنا ولن يضيع مع الأم أي شيء..

جلد الذات عادة «سوريـّة» وتستمر..

 


طباعة   البريد الإلكتروني