رواية (الشرفة) للكاتب سليم عبود رواية كل مواطن سوري

الوحدة : 27-11-2021

صادرة عن وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب العام2021 لوحة الغلاف للفنان الألماني فرانز مارك، عدد صفحات الرواية 285 موزعة على 14 فصلاً.

إن قراءة  سريعة لرواية الشرفة، لا يمكنها أن تلم بإبعادها كاملة.. في داخل أحداث الرواية أصوات كثيرة... بعضها يعلن عن نفسه.. وبعضها الآخر  يظل غامضاً.. ليس على القارئ وحسب.. وإنما على أبطال الرواية أنفسهم.. الذين يتحركون في أغلب الأحيان دون أسس مدروسة.. وهو ما أعطى الرواية عمقاً فلسفية.. نحتاجه كثيراٍ في عمل أدبي رفيع.

في الشرفة.. لا يمكننا القول إن الكاتب اعتمد على منهج فني محدد، أو كتب رواية الشرفة على منهج نقدي محدد، وهو ما أعطى الرواية عمقاً وقوة في الإبداع، للوصول إلى الهدف الذي ننشد.

جميع تفاصيل الشرفة تقدم نماذج عديدة ولرؤى فنية متعددة... وليس مجرد رؤية واحدة.. وهو ما بعدها رواية قادرة على إنتاج مضمون روائي عال.. وبعبارة فنية أوضح... بنية فنية تخلق تواصلاً عميقاً بين اللغة والفعل الروائي.

الشرفة... هي رواية كل مواطن سوريّ، يعيش على هذه الأرض في زمن هذه الحرب الدموية الفاخرة التي استهدفت الشجر والحجر والإنسان... مكان الرواية حي في مدينة دمشق يدعي مزة86، فقير، يسكنه أناس من كل المناطق السورية، وكان هذا الحي من أكثر أحياء دمشق تعرضاً للقصف من قبل العصابات الارهابية.

تبدأ الرواية مع بداية الحرب في آذار 2011، علاء الزوج يعمل في وزارة الاقتصاد وهو كاتب، شذا الزوجة تعمل في هيئة الاتصالات، ريم ومجد ويوسف أولادهما.

أم عساف جارتهم التي طالما شاركتهم القهوة على شرفة منزلهم.. شخصيات أساسية في الرواية إضافة لشخصيات ثانوية أخرى، يعيشون في حي المزة ٨٦، في زمن الحرب على سورية، حيث يروي الكاتب روايته بدءاً من الصباح الربيعي من شهر آذار ٢٠١١م، هذا الزمن المشؤوم الذي بدأ المخربون يشوّهون ملامح الوطن سورية.

عبّر الكاتب عن هذا الزمن في الأول من آذار عام ٢٠١١م بقوله: (بالتحديد اليوم الأول من آذار، ثمة ضباب رمادي شفاف كثوب نوم نسائي يُغلّفُ مدخل دمشق الغربيّ، ويتجه نحو الشرق، ليغمر ساحة الأمويين، ومبنى وزارة الدفاع، ويدخل شارع الثورة سريعاً..) ص١٣

صوّر الكاتب في روايته مزاج شذا ونفسيتها، حيث تغيّرت  كان الانقلاب السريع في مزاجها نتيجة اشتعال الحرب في الخامس عشر من آذار لعام ٢٠١١م، وبدء سقوط القذائف على الحي ووقوع تفجيرات يقوم بها انتحاريون في قلب دمشق.

بثّ الكاتب في روايته إشارات ورسائل معبرة، تبدو في قول شذا: (علاء أتمنى لو كنتُ حمامة لأطير وأطير، وأعبث في تفاصيل هذه المدينة عن أسرار الذين عاشوا فيها، كم من الناس عاشوا في هذه المدينة؟! يقولون إنها أقدم مدينة مأهولة في العالم، وفيها عاش هابيل وقابيل. قلتُ: وفيها قتل قابيل هابيل) ص٣٠.

جميلٌ جدا هذا الربط بين الماضي والحاضر، قديماً قتل قابيل أخاه هابيل، واليوم وبعد آلاف السنين نرى الأخ يقتل أخاه ويحاربه ويعاديه..

وللكاتبِ حديثٌ ذو شجون وعبرات حرّى، حديث عن الكتاب والقراءة، ومكانة المثقف في هذا العصر، يقول: (يا رجل لم يعد في زماننا مكانٌ الكتاب لا في الرؤوس ولا على الرفوف أنت تقتل جسدك وحياتك وعمرك، اخرج إلى المقاهي، وتمتع بحياتك، اعشق، المرأةُ أجمل مخلوق في هذا العالم) ص٣٩

كم مؤلم أن يكون هذا التحول لمكانة الكتاب أو المثقف في حياتنا !! وخاصة عندما يُقارن المثقف بإنسانٍ جاهل، يقول الكاتب: (الزمن الحالي ليس زمن المثقفين، ما الذي تختلف فيه أنت الكاتب والمثقف عن أي مستخدم في وزارة الاقتصاد لا يعرف أن يفك حروف اسمه) ص٣٩.

ومن الإشارات الجميلة أيضا في الرواية، عن عدم سقوط المطر وغضب السماء قوله: (لا يغيرُ الله بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم) ص٦٤ وقوله: (ظلّ برد الشتاء قاسياً كقسوة الحرب، فالمدافئ لم تعمل، لأنّ مازوت التدفئة لم يتوافر إلا في السوق السوداء، وأغلب الناس ليس باستطاعتهم شراء المازوت من السوق السوداء) ص٦٤.

ثم تصوير مشاهد الحرب من قنابل وانفجارات واحتراق سيارة الجار، واحتراق منزل كامل، أطفال يموتون وهم في طريقهم إلى مدرستهم في حي النزهة بحمص، ومعلمة مدرسة ملقاة في الشارع تمزقت ملابسها على الصدر والساقين، وتقطّعت بعض أوصالها، مشاهد مؤلمة تصوّر فجيعة الحرب في سورية. ص ٧٢

(هي الحياة قصيرة والحزن يقتلنا قبل موعد موتنا) ص٧١ هذا ما عبّر عنه الكاتب من خلال حي المزة ٨٦، من فقرٍ وسوء حال، وظهور محال جديدة بدلاً من الأسواق، وملابس الرجال والنساء توحي بالفقر، هجرة الكثيرين إلى مسقط رأسهم أو خارج البلد، في مخيماتٍ ترعاها جهات لها طابع سياسي س١٠٥، كما تحدّث الكاتب عن همجية الدواعش وبربريتهم عندما قاموا بضرب تمثال أبي الغلاء المعري بمعول حجري بحجة أنه زنديق كافر، ثم قيامهم بتقطيع مفاصله، حيث تناثرت أعضاؤه، الساقان في جهة، واليدان في جهة. ص١٦٢.

يقول الكاتب عن الفقر: (للفقر تفاصيل وملامح لا تظهر على تفاصيل الوجوه وحسب في هذا الحي، وإنما على تفاصيل المنازل وأبوابها ونوافذها وعتباتها وألوان جدرانها وأزقتها وعلى وجوه الأطفال) ص٢٤٤، كما تحدّث الكاتب عن عشوائية البناء في مزة ٨٦ وإمكانية هدمه وبناء أبنية جديدة من قبل شركات خليجية، ولذلك سمّوه ٨٦ مجرد رقم يُمحى ويزول من غير أن يترك أثراً.

في رواية (الشرفة) توثيق لأحداث كثيرة ولشخصيات كاغتيال الشيخ البوطي من قبل إرهابي فجّر نفسه بين المصلين ص١٦٨ .

ولعلّ قمة الحزن والألم تتجلى في غربة المواطن السوري، الذي يدافع عن هذه الأرض بأغلى ما لديه، ولا يجد تراباً يضمه عند موته، يقول الكاتب على لسان أم عساف: (لا يكون الوطن وطناً للإنسان إن لم يكن له في مكان مولده مكان لقبره، الذين لا يستطيعون التشابك في المقابر لا يستطيعون التشابك في الوطن) ص٢٤٢. لقد عبّر الكاتب سليم عبود عن كلّ هذا الكم من الأوجاع بلغة سلسة واضحة بسيطة عفوية، لا تكلف ولا تصنع فيها، ولعلّ ما يُلفتُ الانتباه في أسلوب الكاتب سمة الاستطراد.

أسلوب الكاتب سمة الاستطراد، لكنّه استطراد جميل إذ يُولّد الكاتب فيه صوراً وخيالات ورؤى جميلة، كما نجد في ص١٠٧ وهو يصف (المكتب الأنيق الواسع، ثم جدرانه من خشب الزان المعشق، وذو اللون العسليّ، والمكتبة العريضة وفي أوسطها صورة له مع بعض الشخصيات التي يتكرر ظهورها على التلفاز). ص ١٧  وفي لغته أيضاً تلك الرومانسية الدافئة التي تتجلى في صوره كقوله: (العصافير العاشقة لا يهمها من أيّ قش هو عشها، المهم أن يظلّ لدينا دفء الحب). ص١٠.

في رواية (الشرفة) حديث عن الحرب التي تغيّر النفوس، وتبث الحزن والكآبة والألم في الأرواح، حديثٌ موجعٌ عن تغيّر الأحوال، حديث عن الفساد، عن الضعف، عن العجز، عن الفرح المخنوق، عن السعادة المطفأة، حديث عن تفاصيل دقيقة قلبت حياتنا من حال إلى حال . أيُعقَلُ أننا نحن، السوريين، الذين كنا نفاخر أننا من دولة مكتفية بما تزرعه وبما تنتجه، وقد صُنفت من أغنى دول العالم.. أيُعقل أننا أصبحنا على تلك الحال بعد هذه الحرب.

أما النهاية في رواية (الشرفة) فتستحق الوقوف مليّاً.. عندما رفض علاء بيع بيته لأم عساف، جاءه هاتف من الخاطفين يقول له: ابنك يوسف مختطَف عندنا، ادفع خمسة ملايين ليرة حتى تنقذه، وعندما سألته ابنته ريم عن مصدر المكالمة والمتصل، لم يُجب، وكذلك زوجته.. أما أم عساف فقد قالت له: بِعْ البيت وأنقذ ابنك يوسف من الموت.

تلك الشرفة التي طالما جلست فيها أم عساف ترتشف فنجان القهوة مع علاء وشذا، وتبوح لهما بأوجاعها..  لم تشفع تلك الجلسات لهما.. نهاية صادمة ومفاجئة ومدهشة في الرواية ، لقد خانت أم عساف الود والجيرة، غدرت بأقرب اثنين من جيرانها وأبناء وطنها، علاء وشذا، كان جوابها: بع البيت وأنقذ ابنك يوسف، دليل على علمها بما حصل مع ابنه يوسف، وعلى علمها بالموضوع، أو ربما تكون هي وراء موضوع اختطافه من أجل الضغط عليهما وبيع البيت لها..

هذه الحرب غيّرت نفوس البشر قبل الحجر، شوّهت كلّ شيء جميل، أتت على كلّ شيء ولم تذر.. قيم الوفاء والإخلاص تلاشت تماماً، وأصبحت اللغة السائدة هي لغة المصلحة، ولغة المال، والدولار.

واأسفاه يا وطني! نحن غرباء على أرضك، وغيرنا يصول ويجول.. ويملك قصوراً وأراضي..

نهايةٌ مؤلمة موجعة كآثار هذه الحرب اللعينة على أرض سوريانا، فيها من الخزن الكثير الكثير...

ما أقسى الخيانة...!

رواية (الشرفة) من أدب الحرب بامتياز، وقد صُنفت ب (مدونة حرب)، فليس أصدق من الأدب الذي يصور فيه الأديب حياة الناس البسطاء الفقراء، الذين تمتزج أرواحهم وأجسادهم بتراب هذه الأرض الطيبة وجذورها.

في الختام...

تقدم لنا رواية الشرفة للكاتب سليم عبود أنموذجاً لعمل روائي فني متقدم.. قادر على تقديم الواقع الموجع الذي نعيشه.. وهو ما تقدمه الرواية عبر شخصياتهم منظور درامي.. وبأسلوب يتوافق مع رؤية أبطال الرواية للحياة.. والحرب... والتحولات الاجتماعية الحادة.

رولا علي سلوم


طباعة   البريد الإلكتروني