(أسرار الأعداد) للكاتبة ميس العاني... دور القصة في أساليب التربية والتعليم

الوحدة : 15-9-2021



يعد استخدام القصص في التعليم برنامجاً متكاملاً في العملية التعليمية والتربوية، يسد الثغرات التي تتواجد في البرامج التقليدية، ويضمن الانتقال التدريجي بين مهارات التعلم وخاصة القراءة ، فالجودة العالية في تقديم القصص كالألوان والصور والإخراج وطريقة العرض تجذب الانتباه عند أطفالنا . ويتفرد استخدام القصص كمنهج تعليمي بتقديم المهارات الحسابية واللغوية؛ بأساليب وأنشطة لا يشعر الطفل معها بضغط التعلم ، كما يتميز بوفرة الموضوعات وتنوعها وهو ما يوفر الوقت والجهد ويضمن تفاعل الأطفال وجديتهم في تنفيذ الأنشطة. فبالصورة واللون يتم تقديم المعلومة وبناء قاموس من المفردات والمهارات.
وأما بالنسبة للعلوم، فالقصص تعد دعامات أساسية في استيعاب المعارف العلمية واكتسابها، مع المحافظة على قيمتها التربوية وبالتالي تكون تلك القصص قابلة لأن توظف كأداة فعالة للمساهمة في بناء مهارات حسابية ولغوية ...، أو في تربية السلوكيات الصحيحة من خلال اكتساب قيم أخلاقية وإنسانية . وفي نموذج واضح عن الدور الهام للقصص وموضوعاتها في الأساليب التربوية والتعليمية نورد عبر هذه السطور قصة ضمن سلسلة علوم لأطفالنا بعنوان (أسرار الأعداد) وهي الثانية الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب، مديرية منشورات الطفل للكاتبة ميس العاني، و رسوم: حسام وهب..
...عاد سراج من المدرسة إلى البيت فـرحاً بعد أن تمكن من الحصول بـجدارة على الـمرتبة الأولى في مادة الرياضيات لتفوقه في جدول الضرب، وتمكنه من إجراء عمليات القسمة بسرعة هائلة، لفتت نظر أستاذ الرياضيات وإدارة المدرسة. دخل غرفته، وأخرج ورقة وقلماً ، وأخذ يرسم الأعداد بتصميمات مختلفة، وميز كل عدد من الآخر بلون وشكل مـختلفين. قالت له أمه: ما أجمل هذه اللوحة ! قال سراج: أحب الأعداد. إنها عالم مميز من الأسرار، ولها سحر خاص. ردت الأم: عليك ألا تكتفـي بـحفظ جدول الضرب وبإجراء العمليات الحسابية فحسب، بل عليك أيضاً أن تكتشف أسرار العلاقات بين هذه الأعداد للوصول إلى علاقات جديدة، فعلى أساس هذه العلاقات قام العلم الحديث، وأحدثت ثورة التكنولوجيا التي غيرت عالمنا. علق سراج لوحته على جدار غرفته، وأخذ ينظر إلى الأعداد فيها. فجأة سمع أصواتاً
غريبة، فالتفت حوله، وأخذ ينظر إلى اللوحة. بدأت الأعداد تتحرك من أماكنها، ويتحدث
بعضها إلى بعض. لم يصدق ما رأى، لكن الأعداد عادت وتـحركت ثانية، ثم خرجت من اللوحة، واصطفت جميعـها عل سريره. أخذ الصفر يتبـختر أمام الأعداد قائلاً: أنا أول الأعداد وأكثرها تبسيطاً وأشدها شهرة واستعمالاً وأهمية، ويستحيل على الأعداد الاستمرار من دوني. قفزت الأعداد الفردية، وتقدم منها العدد - ثلاثة - قائلاً : حسناً أيها الصفر! نحن الأعداد الفردية. لنا أسرار عدة لا يعرفها إلا محبو الرياضيات، فنحن لا نقبل القسمة على العدد اثنين دون باق، وبضرب أحدنا بالآخر ينتج عدد فردي، وبضرب أحدنا بعدد زوجـي يكون الناتج عدداً زوجياً. قال سراج: إنك ممتعة حقاً أيتـها الأعداد الفردية! تـجمّعت الأعدادُ الزّوجيّة، ثـمّ تقدَّم منها العددُ أربعة ، وهو يقول: ماذا ستقولُ إذاً يا سراج حين تعرفُ خفايانا نحنُ الأعداد الزوجيّة؟ نحنُ أعدادٌ موجبةٌ نقبلُ القسمةَ على اثننين، وبضربِ أحدِنا بالآخر يكونُ الناتجُ عدداً زوجياً، وبضرب أحدِنا بعددٍ فرديّ يكونُ الناتجُ عدداً زوجياً أيضاً، وبـجَمِع عددَينِ زوجيين يكونُ الناتجُ عدداً زوجياً، وبـجَـمْع أحدِنا معَ عددٍ فرديّ يكونُ الناتجُ عدداً فردياً، وبكُل تواضُع نحنُ الـمجموعةُ الـمُفضّلة لدى ُمـحبِّـي الرياضيّات. وقفتِ الأعدادُ الفرديُّة مـتـحدًّية الأعدادَ الزوجيّة، فقالَ سراج : اهدئي أيُتـها الأعداد! أنتِ مجموعةٌ مـتكاملة، ولُايـمكِن للرياضيّات أن تقومَ مـنُ دونِكِ جميعاً. قالَ الصفر: أحسنتَ يا سراج! لقد غيّـرَ الصفرُ الزوجـيّ والواحدُ الفرديّ وجهَ البشريّة، فلولا لغةُ - الصِّفر والواحد - التي استندَت إليها لغةُ البرمجة لـمَـا وِجَدت الأجهزةُ الالكترونيّة، ولولا الصفرُ لـمَـا وِجَد علـمُ التفاضُل والتّكامُل والهندسة والتشغيل الآلـيّ، فقد أحدثَ اكتشافُ الصفر تغييراً كبيراً يوازيَ تعلـمَ لغةٍ جديدة. ثـمّ قالَ الواحد: نعم، يا سراج! إنّ العمليّات في الـحاسوب تعتـمدُ على الـمنطق الرّياضـيّ، كما أنّ ابتكارَ علـم الحاسوب أثـرَ كثيراً في ازديادِ ُّتطور علـم الرياضيّات، فأصبحَ العُلماءُ يستخدمونَ برامجَ مـحَوَسَبة لتسهيل علم الرياضيّات وبعض البراهين والنظريّات، وأصبحَ عـالم الـحاسوب والرياضيّات ركيزتين للعلوم الأخرى، وذلك عبر تـحليل البيانات واستـخراج النتائج ، فلغةُ العصر الآنَ تعتـمدُ على عْلـمَـي الـحاسوب والرياضيّات. أخذ سراج يقفزُ على سريره، وهو يـمسك الصـفر بيد، والواحدَ بيده الأخرى، والأعداد الزوجية والفردية تدور حولـه، وأخذ يـحدِّثـها قائلاً : إذاً يا صفر أنتَ ملك الأعداد كلها، وتُشكل مع الواحد أساس علـم البرمجة، وأنا سوف أبقى ملكاً في الرياضيات، وسوف أبحث في علومـها الـممتعة وفي عالم الأعداد لأكتشف علاقات ومعادلات جديدة ، وأشارك في تطور البرمجة..
(أسرار الأعداد) قصة تستحق الاهتمام والقراءة من حيث المضمون واللغة، والطرح العلمي المبسط، البعيد عن أسلوب النصح والارشاد المباشر، فالقصة تحمل في طياتها رسالة تربوية هامة إلى جانب مضمونها العلمي وهي أن التعاون والتكامل في الأدوار هما الأساس المتين والراسخ لأي عمل يقام في المجتمع أو لأي علم نعتمده في حياتنا، وقد كتبت بلغة سهلة وأسلوب جذاب وحوار سلس ينمي خيال الطفل ويثير عنده الحماس للتعلم والرغبة في الاكتشاف في ميادين العلوم العصرية والتقنية والبحث في جذورها التي كان لها الدور الأكبر في مراحل تأسيسها وتطورها، وهنا علينا طرح السؤال الآتي: أليس الأجدر بنا استخدام القصص والحكايات كوسائل أساسية في التعليم والتربية من خلال اتباع الخطوة الأولى وهي الاختيار الجيد لمضمون القصص ومحتواها المعرفي، خصوصاً عندما ندعمه بالأنشطة التي تجعل المتعلم يعيش خبرة جميلة مع الأصوات والكلمات ، ويتجاوز صعوبات التعلم من خلال التركيز على تطوير المهارات اللغوية والمعرفية عنده؟.
الجدير بالذكر، أن الكاتبة ميس العاني من مواليد دمشق عام1984، حاصلة على إجازة في الإعلام ، وشهادة دبلوم تأهيل تربوي من كلية التربية في جامعة دمشق عام 2010 ، وإلى جانب دراستها للماجستير، تعمل صحفية في وكالة سانا، وتكتب قصصاً للأطفال في مجلة أسامة.

فدوى مقوص


طباعة   البريد الإلكتروني