دردشة ثقافية مع د. وفيق سليطين

الوحدة 19-2-2021

لغتنا العربية هويتنا، وإرث أجدادنا، ما هو واقعها اليوم؟ هل هي في تراجع؟ أم أنها تواكب تطورات العصر؟ ما هي التحديات التي تواجهها وكيف يمكن التغلب عليها؟ كل تلك الأسئلة كانت محور نقاشنا مع د. وفيق سليطين عضو هيئة التدريس قسم اللغة العربية في جامعة تشرين، وعضو جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب له مؤلفات عديدة في الشعر والدراسات الشعرية منها (أسفار الكائن الآخر) و(في سماء الهديل) شعر و(الشعر الصوفي بين مفهومي الانفصال والتوحد) بحث.

- كمختص في اللغة العربية كيف ترى واقعها اليوم؟ هل هو في تراجع أم ازدهار؟

ازدهار واقع اللغة العربية ليس مسألة رغبات وإرادات، المسألة متوقفة على  تحقيق شروط حضارية، واقع اللغة العربية لا ينظر إليه إلا مستقلاً عن سائد فعاليات الأمة في أوجه النشاط المختلفة اقتصادياً واجتماعياً ومعرفياً، فاللغة التي تنتج وتبتكر وتستحدث وتعطي للحضارة، هي اللغة التي تسود ومثال ذلك في عالمنا واقع اللغة الانكليزية، التي تسود العالم ليس لكونها إنكليزية فقط بل لكونها مقترنة بالإنتاج العملي والتكنولوجي وسائر المستويات الأخرى، طبعاً نحن بالعودة لواقع اللغة عندنا، منذ عقود توالت الدعوات للعناية باللغة والارتقاء بها، لكن كما أرى هي مجرد شعارات ترفع وتطوى، فنحن لا نستطيع أن نستغني مثلاً عن التسميات المستحدثة أو المنقولة في اللغات الأجنبية الحية في مختلف حقول النشاط التي أشرنا إليها.

ويضاف إلى ذلك داخلياً أنّ واقع اللغة يتراجع بفعل أشكال التعويق وانحسار الثقافة وتدهور المؤسسات التعليمية، وسيادة الرؤى الوظيفية المقرونة بالمردود المادي وما إليه.

- ما دور المثقف في التصدي لهذا التراجع؟

المثقف قد يكون له مجال في الإسهام والبناء، لكن المثقف ليس صاحب قرار بل أن المثقف يعد متنحياً وموظفاً هنا أو هناك ولا يتجاوز هذا الإطار إلاَّ عند من نذروا أنفسهم إلى حد التضحية، ويرتبط الكلام هنا بما سبق وقلناه عن تكامل المجالات الإنتاجية والمعرفية، واعتماد بعضها على بعض، فالحضارة المزدهرة ترتفع بها حقول النشاط مجتمعة، وعندما تبلغ سن الشيخوخة أو تتراجع فإن انخفاض المستوى يعم في الحقول نفسها مجتمعة.

لذلك أنا ضد النظرات التجزيئية التي تقول على الارتقاء بهذا القطاع أو ذاك منفرداً أو منقطعاً عن غيره وكأنه شيء معزول وقائم بذاته فقط.

- ما المنقذ أو الحل إذن في رأيك؟

الحل يجب أن يكون حضارياً متكاملاً غير قابل للتقطيع والبعثرة بمعنى أن نرتقي بذاتنا باستثمار طاقتنا على مختلف الصعد لإنتاج وثبة متجاوزة لواقع الركود والاستنقاع وهو ما يمكن أن يهيئ للأمة أن تتجاوز ما كانت عليه وأن تلحق بركاب الأمم المتقدمة وأن تغير النظرة العامة للذات والعالم.

- كمهتم بالثقافة، كيف ترى عمل المؤسسات الثقافية؟

لننظر نظرة موضوعية إلى المؤسسات الثقافية القائمة، بمقتضى هذه النظرة نجد أنها تتراجع في تأدية الوظائف المنوطة بها، فتستدعي مشاركين أقل كفاءة ولاسيما أن المردود المادي للمشاركة دون الحد الأدنى ومن هنا نلاحظ انصراف المبدعين وأصحاب الكفاءات عن المشاركة، فلا يبقى أمام المؤسسة إلا أن تستجلب من يغطي هذه الفراغات وملء التقارير الثقافية بعددها.

في الجانب المقابل نلاحظ تنامي دور ما يشار إليه بالمقهى الثقافي، أو المنتديات غير الرسمية لتقديم صور تلبي طموح الشباب وتستقطب طاقاتهم وتنمي مواهبهم، وهذا أمر محمود لم تعد المؤسسة الرسمية معنية به العناية اللازمة.

ومن مظاهر التردي في هذا الحقل انتشار الكتابة الالكترونية بعيداً عن أية قوى راشدة وموجهة وبعيداً عن أية فاعلية نقدية.

ولذلك يرى المتتبع لوسائط التواصل الاجتماعي الانتشار المرعب لمثل هذه الكتابات التي تغزو حقول الناشئة بحيث تكون عندهم هي المرشد أو المثل المطلوب.

وكلنا نرى جوقات الأميين المنتشرة على هذه الوسائط وهي تمنح درجات دكتوراه للغادي والبادي، لدرجة الإسعاف بالقيمة الرمزية التي تنطوي عليها مثل هذه الجوائز والشهادات.

وفيما يخص الطباعة تحولت دور النشر إلى مؤسسات تجارية ربحية، لا يعنيها في الأغلب الأعمّ سوى المردود أو العائد لهذا الكتاب أو ذاك بعيداً عن مستواه وقيمته.

وهذه العناصر ينضاف بعضها إلى بعض في تأكيد حال التدهور والتراجع الذي نتساءل عنه. كونك عضواً في جمعية الشعر، ألا تراه متراجعاً على حساب الأجناس الأخرى؟

ما يجري على الشعر يجري بتفاوت على غيره من ضروب الكتابة الإبداعية رواية قصة مسرح مقال الخ ، مما أزرى بمكانة الشعر النظرة الوظيفية إليه والنظرة المادية ونسبة الفائدة التي يحققها.

هذا لا يعني أنه ليس هناك شعراء، هناك شعراء مبدعون ولهم مكاناتهم، ومن المؤسف أن أقلاماً كثيرة تهاجر إلى الصحافة الخليجية أو سواها لاختلاط الأمور من جهة والانصراف عن الاهتمام بالثقافة الرفيعة، وسيادة الرموز البديلة من تجارية وطفيلية باتت هي موضع الأهمية والحفاوة أما السؤال عن تراجع الشعر فهو سؤال يحتاج إلى النظر من جهات متعددة.

فيمكن أن نتساءل هل يتراجع الشعر حقاً، أم أن هناك تجارب مختلفة تحاول أن تقدم رؤى جديدة وأن تخرج من دائرة الكتابة السائدة بآلياتها المتشابهة وأنماطها الموروثة أو المتكررَّة.

وفي غياب الفاعليات التي أشرنا إليها من قبل تغدو مساحة الكتابة بالجملة والتفصيل محل التباس وتخليط وغياب المعيار وهذا يحتاج إلى جهود متضافرة تعمل على تأسيس واقع جديد تقطع به مع الحوامل المجتمعية لهذا التراجع.

وهذه دعوة للمراجعة النقدية المسؤولة ولتنادي المؤسسات المعنية بالشأن لوضع استراتيجيات من وحي ما تقدم يمكن أن يعول عليها في تحقيق التجاوز وإعادة البناء.

مهى الشريقي


طباعة   البريد الإلكتروني