إنّها الطّبيعة...

الوحدة : 12-11-2021

تقطّعت بي السُّبل لأسبابٍ تفوق إرادتي في مكانٍ يوزّعْ على الطّبيعة جمالها.

كان كُلّ شيءٍ هادئاً، كقلب إنسانٍ ساعة الصّلاة في الصّباح، أمّا الطّرق ولرتابتها ووضوحها، فكأنّها تصعد نحو السّماء مظلة كبيرة، وكان الهواء البارد يوخز الجسد والأنفاس، لكنّني في حالة ارتياحٍ غريبةٍ!

لأُدرك بعدها أنّ من يبتعد عن السّياسة ويقترب من الطّبيعة، سيغدو طفلاً بسيطاً– القلوب البسيطة وحدها تُحسُّ بذلك، سيما وأننّي على مرتفعٍ شاهقٍ فوق نهرٍ التفّ أسفل الجبل المقابل كسلسةٍ فضيّةٍ!

هنا تنبّهت إلى أنّ الاعتناء بأنفسنا لا يستحق كلّ هذه العناية، فالطّبيعة أيضاً لها منّا.

سيّاف عندي ذلك الوادي المليء بأمواج الضّباب الخفيف، أو بين أمواج البحر.

تابعتُ السّير في الدروب الضّيقة المتعرجة، وكانت الثّلوج المختلطة بالوحل أشبه بطائرٍ سجينٍ يلطمُ قضبان الأسرِ ويقول: أسعدُ النّاسِ الجهلاءُ، وأنتَ لا تدرك خطورة الطّريق لقلّة درايتك بها. لم تكن وجهتي محدّدة، فكلُّ الاتجاهات تتشابه.  من بعيدٍ كانت تلوح مربّعات بيضاء في أحد الجروف، وهي على ما يبدو قريةٌ تستقبل التَّائهين والعابرين، ما إن اقتربتُ من تلك البيوت حتى صدمت باستقبال بطيءٍ فاترٍ، وتمنيت لو أنَّ القرية لم تكن، فحتى نار الموقد في داخل أحد البيوت لم تدفئني أو هكذا شعرت.

كم وددت لو أستلقي على العشب المبلل في الخارج إلى الصباح. لم يكن يؤنسني في تلك اللَّيلة إلاَّ صخب جريان ماء النَّهر، وقد اخترق كلمات المتسامرين الحادّة وأصواتهم المرتفعة.

لم يكن يهمني مضمونها ولا متى ستتوقف، وصبيةٌ خلف النَّافذة الصغيرة الوحيدة، ترشقني بنظرةٍ متحدَّية، وكان يتراءى لي أنَّ عينيها تنتظران  في كل لحظةٍ سؤالاّ، ولكنني ما أكاد أفتح فمي حتى تولي هاربةً، كما يهرب العصفور من دغلٍ حين يجفل، ثم تتوارى بابتسامة متخابثةٍ.

مضت ساعات الليل، ولم أنتبه إلا لصحوٍ يخصني بالعودة سريعاً وقد تهيَّأت انفراجات العودة، فانتابني حزنٌ غريبٌ، وكأنني أسحب رأسي من تحت تاج الطبيعة، إلى مدينتي المملَّة بصخبها، والمتخمة بكلَّ المفاجآت المزعجةِ؟!!

سمير عوض


طباعة   البريد الإلكتروني