نافذة..

الوحدة: 11- 1- 2021

 

يعد الجاحظ مدرسة حقيقية في النقد الحداثي، سار عليها الكثيرون من المهتمين، كالجرجاني والعسكري والزمخشري وغيرهم، والمهم من ذلك تأكيد الصلات العميقة بين مذاهب النقد الغربي ومدرسة الجاحظ العربية، ما يؤكد اعتداد الغرب بالإفادة من علوم الشرق والانطلاق منها لتطويرها، كما اعتمد العرب على مناهج سابقيهم في الحضارة اليونانية، وكان مما أخذ على - ابن قدامة- في الشعر تقليده الحرفي لكتاب- أرسطو، فالثقافة نتاج إنساني متصل ومتداخل، والنزعات الرافضة لقبول الآخر ما أورثت إلا الجهل الذي ابتعد بأصحابه عن الحياة.

حكم الجاحظ على نقاد الشعر القدماء، وفي استعراضه لهم جميعاً في كتابي (الحيوان، والبيان والتبيين) بحث في علاقة اللفظ بالمعنى وحذاقة الصنعة الشعرية، مستنكراً وقوفهم على الألفاظ المتخيرة العذبة والمخارج السهلة ورونق الكلام ورفض التصنيف على أساس القديم والحديث، كاشفاً عن نظريته للمحاكمة، والتي قامت على مبدأين هامين اللفظ والمعنى ومفهوم الشعر أنه صناعة من الصناعات مثل النسيج أو التصوير فقد قال: المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي، إنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر الألفاظ وسهولة المخرج ، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير…

ثم وضع الجاحظ مقومات جودة الصناعة الشعرية في اجتناب التنافر بالألفاظ وتمكين القِران ووضع الألفاظ التي تناسب المعاني المختلفة، كل بما يوافقه ويناسبه، مؤسساً لوحدة النص التي نادى بها النقد الحديث، ومثال على ذلك قوله: إن حرف الجيم لا ينسجم مع حرف الظاء والقاف والطاء والغين كما لا ينسجم الزاي مع الظاء والسين والضاد والذال.. وهكذا!.

د. رفيف هلال


طباعة   البريد الإلكتروني