الترجمة في زمن الأنترنت...

الوحدة 29-10-2020

شغف السؤال الدائم عن ماهية الكون وما العيش رافق بتماس وتلاصق أساليب للاتصال تنوعت وتعددت فيها عدد الأيام التي سارت عليها واللغة هي أساس هذا التواصل الذي ظل مظلة نستظل بها ضمن علاقات اختلفت فيها الرؤى وجغرافيتها, وكانت للغة دائماً أبعاد ذات قيمة أكبر كلما توسعت وزاد عدد ناطقيها,لأن اللغة خزان فكري ومعرفي وثقافي يحمل إنسانه عبر العصور, وما من أمة سعت لامتلاك المعرفة إلا وقد فتشت وبحثت عما ينطق به لسان آخر من أمة أخرى وحاولت فك رموز المعرفة بالترجمة لفهم ثقافة وعقل أمة بما وصلت إليه من معارف في فك شيفرات الحياة وماهيتها...

فالترجمة تحتلّ الموقع الأبرز والمركزي في تكوين مفهوم الحضارة العالمية وما حركة النهضة لأي أمة إلا وترافقت معها الترجمة, وعبر تاريخها الذي بدأ عندما ترجمت اللغة اللاتينية إلى اللغات العالمية للفلسفة والعلوم الإغريقية القديمة, لتتالى الترجمة هذه الفعالية الإنسانية لتشكل عقل نقدي يؤسس دائماً على ما سبق, حيث أن الترجمة بخطها البياني أخذت عبر الظروف المعقدة لحركة البشرية من انزياحات جغرافية وتاريخية واقتصادية فتغيب معها بعض اللغات وتنشط وتنتشر لغات أخرى..

وفي عصر الأنترنت وثورة المعلومات وسرعة وصولها إلى المتلقي صار للترجمة مطلب ضروري وملحّ للحصول على المعلومات الموثوقة لتوثيقها، فظهرت أشكال الترجمة مختلفة في أساليبها وأشكالها كالترجمة الالكترونية والترجمة الفورية والمكتبات التي تضم معارف العالم ضمن مواقع وصفحات وشبكات اتصالية مع  بقاء الأسلوب التقليدي الذي تقوم به جهود جبارة ومن عقول نيرة وهبوا قدراتهم وطاقاتهم ليكونوا حبراً للمعرفة.

لكن اللافت للنظر بعض الإحصائيات التي تشير إلى جميع المعلومات باللغة العربية لا تتعدى 2% من المجموع الكلي الموجود في عالم الأنترنت الواسع, هذا الأمر إنما يعكس حالة التراجع والتردي الفكري والمعرفي للعقل العربي وإذا لم نأخذ بهذه الإحصائية ونقرّ بها بوجود نتاج عربي معرفي ثري فأين تمكن المشكلة في وصولها إلى الآخر؟.

في كلتا الحالتين قيمة المعرفة تفرض ذاتها وهي تجعل شغف الآخر ليسعى إليها, فأين نحن من نتاج أو معرفة وترجمة في عصر يسير بسرعة الضوء وأكثر وأين العقل العربي بطروحاته النقدية والتحليلية التي توصف وتؤسس  وتضيء؟!هذا السؤال برسم الظرف العربي الذي طال عمره في قوقعته, وبرسم الطموح الإنساني العربي لمواكبة الحركة البشرية التي أضحت تسبقنا وربما بقرون.

يقول جورج ستايز وهو فيلسوف ومفكر وناقد أميركي: (لولا الترجمة, كنا في مناطق يحاذيها الصمت).

 سلمى حلوم


طباعة   البريد الإلكتروني