دراسة حول ضرورة وكيفية تقويم رسوم طفل المدرسة د . عبير حسن: إذا كانت البيئة المحيطة محدودة الأفق، فإنها توقف الإبداع وتقولبه

الوحدة 12-8-2020

 

 

عند الطفل الذي يمتلك موهبة الرسم والقادر على التقاط تفاصيل الجمال في عمله الإبداعي وتجسيدها في لوحاته، فإن ريشته تتعدى كونها أداة للتلوين، وتتخطاها لتصبح أداة تعكس ما يجول في داخله إزاء العالم من حوله، فالرسم لغة عالمية تختصر الأحاسيس وتعبر الآفاق لتوصل رسالة مفعمة بالألوان والمشاعر وكذلك فإن موهبة الرسم من الهوايات الجميلة التي تعكس اهتمام الطفل بعالمه وتعامله بإحساس مرهف مع مفرداته الجمالية فيتحدث بلغة الألوان عن مشاعره ويخط بريشته مفاهيمه العفوية التي تعبر بصدق وشفافية عن محيطه ومجتمعه، فهو عندما يرسم موضوعات مختلفة من الطبيعة ومن كل ما يحيط به فإنه يحاول أن ينقلها إلى اللوحة بلمسة جمالية وفنية تصبغ الإحساس والحياة على موضوع اللوحة.

وعن (رسوم الأطفال.. بين العفوية، ومشكلات التعلم) نشرت الباحثة الأكاديمية د. عبير حسن وهي كاتبة ورسامة للأطفال أيضاً دراسة غنية وموسعة حول هذا الموضوع الهام والحيوي، ناقشت فيها أهم الأساسيات في تعلم وتعليم الطفل مادة الرسم والكيفية التي ينبغي علينا التعامل فيها مع هذه الموهبة الخلاقة لتترافق مع أطفالنا في مشوارهم الدراسي ومن ثم مجالهم التخصصي – على اختلاف أنواعه ودرجاته – ولتكون رافداً مهماً لمنابع ثقافتهم ومعارفهم وأداة من أدوات تكوين شخصياتهم وسلوكهم العام في المجتمع.

بدأت الباحثة الأكاديمية د . عبير حسن بالسؤال الآتي: هل نعلم أطفالنا الرسم، أم نتركهم بلا تعليم حتى لا نفسد فطريتهم المُحببة؟! وللوصول إلى الإجابة أكدت الكاتبة: (وجود ما يسمى بالموهبة والتي تشير إلى وجود شيء خارق وغير عادي، يصعب وضعه في الأطر التي نقيس عليها الأشياء العادية، يصاحبها ذكاء نوعي عال، والشائع أن هناك أطفالاً يمتلكون موهبة الرسم وآخرين لا يمتلكونها، في حين يخبرنا علم النفس أن الاختلاف في مواهب الأطفال يكون في الدرجة وليس في النوع، لذلك يفضل القول أن هذا الطفل أكثر أو أقل موهبة من هذا الطفل الآخر، وذلك بناء على الملاحظة والدراسة وأحياناً الاختبار، وهذه الموهبة ليس لها شكل ثابت محدد عند كل الأطفال! بل تتنوع سماتها ومظاهرها مع تنوع مراحل النمو، ومع تنوع الأنماط الفنية، وأن إدراك المواهب في مراحل التعليم العام يحتاج إلى ذهنية منفتحة ذواقة للفن وممارسة له وذات خلفية معرفية فنية واسعة).

وأشارت الباحثة إلى أن قدرات الطفل الموهوب في الرسم خاصة تظهر مبكراً، إذ يكون عنده استعداد ذاتي واعتماد على النفس في ممارسة الرسم، عابراً المراحل في وقت قياسي، كما يقضي وقتاً طويلاً في الرسم وهو غير متقيد بالعادات الشائعة المرتبطة بالإبداع، كما تتسم رسومه بدرجة من الابتكار والأصالة والتميز، ولكن ماذا عن عموم الأطفال (العاديين) في المدارس العادية، ألا يمكن تنمية ميولهم وصقل قدراتهم في حجرات تعليم الفن بالمدرسة؟ وتجيب الباحثة بالقول: (تحمل رسوم الأطفال في سن المدرسة قدراً كبيراً من التلقائية، وعلامات ظاهرية لبعض خصائص رسومهم العفوية شائعة على مستوى العالم، وهي ليست خاصة ببيئات بعينها، كما تحمل أيضاً بعض مظاهر عدم إتقان الطفل لاستخدام حواسه وقدراته، فليس كل ما ينتجه الطفل جيداً لمجرد أنه طفل! ببساطة.. هناك رسم أطفال جيد، وآخر رديء، ولكن متى نعرف أن هذا الرسم جيد وهذا الرسم رديء).

 

 وأوضحت الباحثة في ردها على هذا السؤال: ( يمكننا فهم ذلك من خلال النظر إلى رسوم الأطفال باعتبارها نشاط مثل أي نشاط آخر.. أحياناً يأتي ضعيفاً يغيب عنه الإبداع، وأحياناً يكون مُحملاً بالإبداع والموهبة، وهذا التفاوت في المستوى أمر طبيعي، لكن في الحالة الأولى لابد من توافر بعض الشروط التي تجعل من رسم الطفل فناً، وهي تقريباً مثل تلك التي نبحث عنها في الفن التشكيلي بشكل عام.. كالوحدة الفنية في الرسم، أصالته، الابتكار... إلخ، ومع ذلك، فإن عملية الحكم هذه صعبة للغاية لأن ليس لها صفات محددة مُطلقة! وبالتالي.. نحن نحتاج إلى عين متخصص، خبير.. يمارس الفن ويتذوقه، مُطَلِع على مدارس الفن بوجه عام، مُلِم بالتراث، عنده دراية بأسس النقد الفني، وفهم وإحساس بالعملية الإبداعية والفروق الفردية بين التلاميذ، كي يكتشف الأمثلة الحية من رسوم الأطفال ويبرزها، وهذا للأسف الشديد نادر أن نجده في معلمي التربية الفنية ! ليس بسبب محتوى التعليم الجامعي الذي يتلقاه هؤلاء المعلمون وضرورة تطويره، ولكن السبب الأكبر هو في واقع التعليم نفسه في المدارس، والنظرة المحدودة الجامدة إلى الفن التشكيلي في مجتمعاتنا، ومستوى ثقافة الأفراد وأيضاً درجة وعي ورقي المجتمع ومن ثم أولوياته الحياتية ).

وألقت د. عبير حسن بالمسؤولية على معلم التربية الفنية الذي يستلم طفل المدرسة في مراحله الأولى ليساعده على اكتشاف ذاته والعالم من حوله عبر رسومه وممارساته الفنية المتعددة، وهنا – حسب رأي الباحثة - يحدث التحول الدراماتيكي في مسيرة طفلنا البريء.. فالرسم – كما جاء في تعريف الدراسة له - هو نشاط يمارس فيه الطفل قدرته على التفكير وإدراك العلاقات والملاحظة والتعميم، إنه ينصرف إليه بكل حواسه. فإذا كانت البيئة المحيطة غير مواتية، متحيزة، محدودة الأفق، فإنها توقف الإبداع وتقولبه، فالتلاميذ الذين ينتظرون دائماً رأي المعلم لينفذوه بدون أن يكون لهم رأي هم مجرد آلات... ومن ثم، يفقدون طلاقتهم وصدقهم وبراءتهم، تلك الصفات التي تجعل رسومهم تأتي بصيغ فريدة وغير متوقعة ولا تتكرر، ولا يوجد ما هو أسوأ من أن يقع الطفل تحت يد معلم غير واع يمارس نوعاً من الضغط، فيدفعه دفعاً لتبني رسوم الكبار، والاستسهال.. وحسب رأي الباحثة: فإن هذا الضغط على الأطفال، ودفعهم قسراً نحو النضج السريع، يفقد رسوم الطفل حيويتها وبهجتها، ويدمر الخطوات الطبيعية الضرورية لنمو قدراته، ناهيك عن دفعه لاستخدام الحيل المُريعة لتعليمه الرسم مثل: استخدام رقم 3، أو كلمة (ملح) ... لرسم وجه الطائر، ... إلخ، وكأننا نعلمه كيفية (النصب والاحتيال)، أو أن يهتم بطفل أو أكثر فقط في حصة التربية الفنية ممن يعطونه النتائج المطلوبة من وجهة نظره، ويهمل الآخرين ولا يعيرهم أدنى اهتمام! مثل هذا المعلم لا يدرك أن الاهتمام بالعملية الإبداعية أهم من النتائج، وأن الرسوم البصرية لا تشكل امتيازاً عن الرسوم الرمزية، وأن هناك فروقاً فردية بين تلاميذه .

 وختمت الباحثة دراستها بالتأكيد على أن ارتفاع نسبة الإبداع في رسوم طفل المدرسة متوقف على فرص التعلم المتاحة وطبيعتها، والتي تبتعد تماماً عن التقليد الأعمى للطبيعة ومحاكاة مستويات الكبار والتأثر بالرسوم الكرتونية، وحسب رأيها فإن أساس التوجيه السليم هو استخدام مبادئ التفكير العلمي المنظم، البناء خطوة بخطوة، والانطلاق من طبيعة الطفل ومرحلته، ولعل أفضل توجيه هو ما يتم من خلال النقد الذاتي، وأن يعرف الطفل ما يحققه ومالم يحققه فيسعى ليقوّم نفسه، على أن يكون هناك احترام كبير لخصائص مرحلة النمو التي يمر بها الطفل، وأن يُسمح له أن يعيش تلك المرحلة، ويكتسب منها الخصائص التي تؤهله لمرحلة تالية، وعدم التعجل بنقل الطفل قسراً إلى مرحلة من النمو تلي مرحلته الآنية، وأكدت الباحثة أن هذا الأمر يتحقق من خلال التعليم الحر، المنفتح، الأقرب لكونه نشاط يفتح أبواب المعرفة أمام الطفل، و يسمح له بالاكتشاف الذاتي ومعايشة خبرات حقيقية اختيارية، في مقابل وجود معلم متمكن فنان في منظومة تعليمية تؤمن بحرية الأفكار والممارسة، تفتح الأفق، وتؤمن بفرادة كل إنسان وليس تنميطه، وفي سبيل تحقيق ذلك لا بد من القيام بمحاولات جادة وتكثيف الجهود من قبل المعنيين، للنجاة بأطفالنا والحفاظ على روحهم النقية وملكاتهم الفطرية الجميلة.

فدوى مقوص


طباعة   البريد الإلكتروني