الرواية التاريخية

الوحدة: 9-8-2020

 

الأدب يوضح العادات والتقاليد السائدة في كل عصر, والرواية عامل مساعد لمعرفة الفرد والمجتمع وطريقة جديدة للتواصل مع التراث والموروث الشعبي اللامادي تتداخل فيها الألوان والظلال والأشياء للوصول إلى التطور والأمل والتجدد وتسليط الضوء على أحداث وشخصيات حقيقية تاريخية وأدبية وفنية, ومن منغصاتها اتخامها بالحشو القاتل الذي لا طائل منه ولا فائدة ترتجي, وقد جاء في تعريف فورستال لها: (إنها كتل هائلة عديمة الشكل إلى حد كبير بكل وضوح تلك المنطقة الأكثر رطوبة ونداوة في الأدب, حيث ترويها آلاف الجداول, وتنحط أحياناً لتصبح مستنقعاً آسناً).

الروائي ليس مؤرخاً بالمعنى المتعارف عليه أو بديلاً عن المؤرخ, بل هو قارئ من نوع خاص لمرحلة تاريخية أو مادة تاريخية بمنظوره ومزاجه الخاص, هدفه محاولة تغيير المجتمع وخلق إنسان يتمتع بالحرية والعدل ويكافح القسوة والهيمنة والهمجية والتخلف والحض على الصمود في وجه البطش والظلم, ولكل روائي طريقة سردية ومعمار خاص به مثل بصمة الإبهام من الصعب تقليدها, يتعامل مع الأحداث والأزمنة والأشخاص الواقعيين الذين كانوا ورافقوا تلك الأحداث بمنظور مختلف جديد دون تغيير في الوقائع الفعلية.

التاريخ مكتمل وجاهز وحين نلجأ إليه نختار ما يناسب ويستجيب لحياتنا الراهنة واكتشاف حياة كانت سائدة في فترة من الزمن, ويفتح أبوابه على مصراعيه للروائي وتكمن الإضافة التي يقدمها الروائي في زاوية النظر الجديدة وإعادة قراءة عالم قديم والتعامل المختلف مع المادة التاريخية والقراءة غير الرسمية لها بهدف إعادة اكتشافه من جديد والخروج منه بتأويل جديد على مقاس عصرنا الراهن.

الرواية التاريخية تعتمد على مادة تاريخية لكنها ليست التاريخ ذاته وليست بديلا عنه, تسير بموازاته وتتقاطع معه لكنها ليست التاريخ المتعارف عليه الموثق في الكتب, وبمقدار اعتمادها على التاريخ فإنها لا تكرره كسياق زمني أو كوقائع, ترصد الأزمنة القاسية للدخول في أعماق التاريخ وأعماق البشر والمجتمع لترصد التحولات والانعطافات التي بدلت مسارات الحياة, وليست معنية بإيراد كامل التفاصيل التي رافقت حدثاً معيناً بل تختار من التاريخ واقعة أو مجموعة وقائع لتكون أساساً ومرتكزاً في نسيج العمل الروائي, وقد قال عبد الرحمن منيف عن روايته الخماسية (مدن الملح): (هي ليست رواية تاريخية, إنها رواية موازية للتاريخ, فبقدر ما فيها من وقائع لعب الخيال دوراً أساسياً في تشكيلها).

الرواية التاريخية نهر ينساب معه التاريخ في سفر الوقائع والأحداث في محطات من تاريخ طويل وتنزع لتأسيس وعي مجتمعي يستطيع أن يقرأ فيها التاريخ العربي الحديث خلال القرن العشرين بأفضل ما تذكره مدونات التاريخ, وصارت رواية عبد الرحمن منيف (أرض السواد) بأجزائها الثلاثة قراءة لتاريخ العراق, والتاريخ العربي من خلاله في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وسبيلاً لفهم ما آلت إليه أوضاع العرب المعاصرين من ضياع ودمار وفوضى, وفيها نتابع حيوات وتطورات المجتمعات العربية المعاصرة والغوص في نقل مضامين الواقع المجتمعي وكأننا نراها بأم العين, فمن يقرأ روايات نجيب محفوظ سيلمس الأحداث التي وقعت في مصر أبان الاحتلال البريطاني لها, وكذلك رواية ( حرمة للكاتب اليمني علي المقري التي تتناول ثقافة الجماعات الإسلامية وأسلوب عملها ونشر ثقافتها والتحولات في المجتمع اليمني بكل تداخلاته وتنافراته ومسألة التطرف الديني في المجتمعات العربية المعاصرة, وهناك روايات تاريخية تبرز مأساة شعب عاش منكوباً مدمراً مهجراً بسبب الاحتلال الذي يغتصب الأرض ويشر عن الاستيطان ويطمس الحقيقة ويزيف الحقائق ويدمر الذاكرة كالعدو الصهيوني الذي ابتليت به الأمة العربية.

نعمان إبراهيم حميشة


طباعة   البريد الإلكتروني