وسم..

الوحدة 21-7-2020  

 

نحن لا ننضج بمرور الوقت إنما نفعل بمرور الأشخاص في حياتنا...

من قال ذلك؟! لست أدري حقاً، لكن ما أنا متأكد منه أني مذ غادرت قريتنا في تلك الأمسية التشىرينية كنت هرماً بسنواتي العشرين.

عندما أمسكت جدتي بنا بين أشجار الليمون، نهرتنا قائلةً: في أرض الكدان لا يزهر الكرز.

لم نفهم حينها ما قصدت، ترى هل فهمت ذلك لاحقاً يا سلمى؟!

نعم  يا سلمى... كنتُ غرسة يانعة، وكنتِ تربةً غير صالحة لأنمو فيها بما أملكه من حب وقيم، فانجرفت مع أول سيل داهمك وجرفت معك آمالاً وحياة.

لم أحب الدراسة فعلاً، لكني اجتهدت لأثير إعجابك، فلا أراض عند أهلي ولا عقارات أغريك بها، لذا حرصت أن أكون الطالب المتفوق في القرية لتظلي فخورة بحبيبك.

كنت أنفق مكافآتي القليلة لشراء هدية كرمى لعينيك الصغيرتين كعيني فأر جائع يتحفزلسرقة قطعة جبن.

آ....ه يا سلمى كم كانت قامتك القصيرة تغريني، وتفاصيلك الرقيقة، كان فمك أشبه بحبة كرز، لكن لا يمكن للكرز أن يثمر في أرض الكدان كما رددت جدتي دائماً، لذا وفي غفلة عن العمر، وصل عمي في ليلة خريفية مذعوراً، سمعته يستجير بأبي متوسلاً: استر علي يا أخي الله يستر عليك.

لم أفهم ما جرى حين رأيت أبي يشد أخي الأكبر ويقوده من سريره كشاة للذبح وسط تساؤلات أمي التي لم تلق رداً.

لحقت بالقطيع الذي مضى نحو بيتكم ،كان الباب موصداً، فلمحت من النافذة  شيخ القرية يقرأ فاتحة أحد ما... هل مات أحد؟!

لم يكن من الصعب علي إدراك ما يجري..بل لعله كان صعباً جداً.

خرجت أمي تنتحب باكيةً: يا ويلي ..ألصقوا هذه الفاجرة بأخيك؟

لم أسأل.. لم أرد أن أعرف... بل أنا أعرف فعلاً أنه في أرض الكدان لا يزهر الكرز.

سبقت أهلي في العودة من داركم، وصوت أمي يصعق غشاء الطبل مرة تلو الأخرى: ابن الأفندي لم يتحمل مسؤولية طيشه وعبثه، فألصقوا الفاجرة بأخيك.

عندما ودعت بيارات الليمون التي اعتصرها الألم فنضحت دماً فاسداً كروحك، لم أدرِ أيهما آلمني أكثر، خيانتك لي مع ابن الأفندي أم تزويجك من أخي؟

هل يعقل أني وددت لو ألصقوك بي أيتها العاهرة؟!

خرجت من القرية لا ألوي على شيء ،لكنه حتماً طريقٌ بلا رجعة، لا يمكن أن اتنفس هواء يحتوي أنفاسك..

ومضيت.. مضيت... ومضيت...

ظلمت كل النساء لأجلك، وحكمت عليهن بالعهر والفساد وخنقتهن كل ليلة بأفكاري وأحلامي ويقظتي، ولم أسمح لأي شهرزاد أن تدخل حياتي لتغير مجرى الحكاية.

حاربتهن في الحياة وفي الدراسة وفي العمل، كنت أكره كل أنثى جميلة أو لطيفة، حتى طالباتي في قسم اللغة الانكليزية كن يرتعدن في المقابلات الشفهية التي أجريها لهن، ويحاولن أن يهربن منها إلى دكتور آخر... كنت أرى في كل واحدة سلمى يجب أن أحاكمها.

وها هي فتاة لا تشبهك تقف أمامي، طويلة.. رشيقة... جميلة... تبدو ذكية وقوية على الرغم من عينيها الصغيرتين اللتين لا توحيان بذلك، إنهما عينا فأر صغير يتحفز للا...... مايا حسن حسن.... الأم: سلمى...

ضحكت من القدر الذي يلعب بي: ابنة الأفندي تحمل اسم شقيقي واسم أمها ال....

نظرت في عينيها، كانتا خائفتين تنتظران غفراناً لن تحصلا عليه أبدا ...

بحثك مرفوض يا آنسة... أعيدي صياغته مجدداً، أو اختاري مدرساً ً آخر.

ولكن يا دكتور...

أوقفتها لم أرد سماع صوتها  بل صوتك الذي مازال يقرع كأجراس في رأسي منذ عشرين عاماً..

أرجوكَ...

أشرت بعصبية إلى باب المكتب لتخرج منه، فثمة صاعق يثقب غشاء الطبل كلما سمعت أنفاسها..: لوسمحت أرسلي الطالب التالي.... بسرعة أكبر... بسرعة..

لم تغفر لها دمعاتها الحيرى من موقفي، أخذت بحثها وخرجت حاملة معها ما تبقى من أشلاء قلبي ومضت موسومة بذنب لا تعرفه ولكنه سيظل رفيقها ورفيقي في ما بقي من عمرٍ.

نور نديم عمران


طباعة   البريد الإلكتروني