أعجب الرحلات في التاريخ لـ (أنيس منصور)

الوحدة: 5-7-2020


إن كتاب (أعجب الرحلات في التاريخ) يجمع بين دفتيه أغرب الرحلات التي قام بها مجموعة من أشهر الرحالة والمستكشفين، وهو يشتمل على حوالي أربع وخمسين رحلة، ومن الجدير ذكره أن الكاتب لم يتبع في كتابه الترتيب الزمني، إذ نجده يورد رحلة من الزمن الحديث، ثم رحلة من الزمن السابق، وقد أشار في مقدمته إلى أن هناك ثلاثة أنواع من الرحلات، إذ يقول: (أن تسافر، وأن تقرأ الكتب، وأن تقرأ كتب الرحلات) والذي يسافر إلى الأماكن البعيدة في رأيه يريد أن يعرف، يريد أن يرى الجانب الآخر من الجبل، أو النهر، أو من البحر، والجانب الآخر من الإنسان، ومن تجاربه من أجل الحياة والتقدُّم، ثم يضيف قائلاً: (إن هناك فرقاً بين أن تسافر لترى البلاد، وأن تسافر لتعرف الناس، والذي يسافر كثيراً يعرف الكثيرين، ولكنه يصادق القليلين)، ثم يتابع والذي يسافر إلى بلاد أخرى ويعود ليحدث أهله عما رأى هو فيلسوف، والذي يروح ويجيء ولا يقول شيئاً، إنه صعلوك، فقد استمتع واكتفى، ويضيف وكثيرون راحوا وجاؤوا، وجاؤوا كما راحوا لم يتغير منهم شيء، وسبب ذلك أن نفوسهم صماء لم تنفتح على شيء، ولم يتسلل إليها شيء، وعندما شكا أحد تلامذة سقراط من أن السفر لم يفده، ولم يغيره، قال له سقراط: (من الطبيعي ألا يفيدك السفر شيئاً، لأنك سافرتَ مع نفسك )، فطبيعي جداً أن يسافر الإنسان، أن يرحل، أن يذهب بعيداً عن بيته ووطنه ليرى ويعرف، إنه حب المعرفة، إنها المغامرة، إنه المجهول الذي يتحدانا ونتحداه، إنها متعة المعرفة والخوف منها معاً، ويستشهد الكاتب ببعض الأمثلة: فالمؤرخ هيرودوت جاء إلى مصر، ورأى الكثير من العجائب، وكتب، وكان يتغنى بما رأى في مهرجان الألعاب الأولمبية.

والقائد هانيبال أقسم أن يعبر البحر، وأن يجعل الأمواج بساطاً إلى روما، حتى يقضي على كل روماني، وحتى يمسك بيديه مصير مدينة روما إلى الأبد.

وابن بطوطة هاجمه الهنود، ومزقوا مذكراته كلها، وعاد ليروي ما حدث معه في عشرين عاماً من الذاكرة، ثم يضيف الكاتب (وكل هؤلاء المسافرين المغادرين يتحدثون عن عذابهم بلذة، ولو خيرناهم في أثناء رحلاتهم الطويلة أن يعودوا لرفضوا، فهم يريدون أن يستمروا، أن يمضوا حتى نهاية الرحلة، أو نهاية الحياة، وعن كتب الرحلات يتابع: أما كتب الرحلات، فهي أعماق الآخرين وأعماقنا نحن أيضاً، وأعماق هذه الدنيا، ولذلك كانت أروع الرحلات هي التي نقوم بها في رحلات الآخرين، نرى بعيونهم، ونسمع بآذانهم، ونمشي على الدنيا معاً، وفي ذلك متعة للخيال، وتشويق للإرادة أن نفعل مثلهم، ونكتب مثلهم، ونسافر مثلهم، ولا ضرر إذا لم ننجح كما نريد، وإنما المهم أن نروح ونجيء، أن نرى ونروي، أن نعيش ونسبر، أن ننتفع وننفع.

د. رفيف هلال


طباعة   البريد الإلكتروني