(انتبه إلى أفكارك لأنّها ستصبح كلمات)

الوحدة 20-5-2020

 المجموعة القصصيّة  (حجر الجلخ) أو (شلايفشتاين) بالألمانيّة كما شرحَ عنوانها  الكاتب علي ابراهيم دريوسي المقيم في ألمانيا، الصّادرة عن دار الدراويش للنشر والترجمة في جمهوريّة بلغاريا ـ بلوفديف سنة 2019م، تتّكئ ببنيتها السّرديّة على آليّة الحكي الشّفويّ المهتمّ بالتّركيز على الأفكار، أكثر من تفكيره بالزيّ الأدبي الذي يجب أن ترتديه الكلمات، أيّ تلك الطريقة التي تُترَك فيها شجرة السّرد تنمو متشعّبة بكلّ الاتجاهات، دون تقليم أو تشذيب لأغصانها، وهي عموماً تنتمي إلى أدب السيرة الذاتيّة، أو أدب الانطباعيّة الواقعيّة  بشكلها الكلاسيكي المعروف الذي وجد متنفّساً له في رحاب القصّة القصيرة.

إنّ الهواجس الذّاتيّة مهما تعملقتْ وعلا شأنها، والتجربة الحياتيّة بقساوتها المرّة وعصاميّتها وعمقها وثرائها المعرفيّ  ومصداقيّتها، لا تكفي لتحويل السّرد التّقريري إلى أدب عصري يمتلك لمعته الخاصّة، من دون تحقيق نقلة فنيّة خاصّة، على مستوى الأسلبة ولعبة القصّ والمهارات السرديّة التجريبيّة، واللّغة الحيويّة، باعتبارها الوعاء الضّام لكلّ المكوّنات الفنيّة، والحامل الأساس لبنيان القصّة، فالكلام لن يزهر إذا لم يستحمّ بماء الأدبيّة، أي تلك الكيمياء الخاصّة لاندغام أشعة الحروف بعتمتها وما يفيض من حواف تربتها، لينبتَ بين السّطور، كما قباب الجسد عشباً نديّاً، حينها سيكون فعل الكتابة أشبه بالتّطهير، تلك الأدبيّة لن تتحقّق، إلّا بمقدار انزياح اللغة العادية عن المتواضع عليه والمألوف، من خلال زجّها في سياقات وعلائق لغوية مختلفة، لم تكن لتألفها ذاكرتها السابقة، ومنطلق قراءتنا، ليستْ نرجسيّة الكاتب المتضخّمة وحسب، بل ما ولّدته هذه القراءة من انطباعات، سندوّنها بمقدار ما تسمح به فسحة النشر، والهدف هو الحرص على موهبة الكاتب بالدّرجة الأولى، التي أراها  مستعجلة بلا مبرّر، وكذلك الحرص على مسار القصّة القصيرة الذي عرف أشكالاً تجريبيّة جديدة نجحتْ بكسر النمطيّة السائدة وتجاوزته منذ زمنٍ لا بأس به.  

إنّ مقتلَ الأدب الذّاتي الواقعي باعتقادي، بقاؤه مجرّد مرآة لتجربة صاحبه وحسب، فليس مهمّاً أن يقتنع الكاتب لوحده بعمق تجربته مهما كانت حقيقيّة، بل أن يستطيع إقناع قارئه بما قدّمه أيضاً، لتغدو التّجربة وكأنّها تجربة الكائن الإنساني أينما وجد، والنّجاح هنا مرهون بالقدرة على النّفاذ إلى عمق التجربة الوجوديّة للكائن الإنساني عموماً، فأدب (إميل زولا  وجان جاك روسو) في تلك المرحلة من تاريخ المجتمع الفرنسي الملتهب بالأفكار التحرّريّة، وأدب (دوستويفسكي وغوغول) الذي أظهر عطش التربة الروسيّة لبذور الأفكار الجديدة التي مهّدتْ الطريق للثورة البلشفيّة، وكذلك أدب (سعيد حورانية وعبد الله  وزكريا تامر) الذي أرسى معالم القصّة السوريّة، ورسّخ توجّهها الواقعي الملامس لهموم النّاس، لم يكن له أن يحوز على تلك المكانة الرفيعة في الذّاكرة الأدبيّة، لولا قدرة الامتصاص العميقة لمعطيات المرحلة ومتطلباتها الذاتيّة والموضوعيّة، روحيّاً وثقافيّاً وأدبيّاً، لولا جرأة البحث في ثنايا ومنعطفات الروح البشريّة، والإلمام بسيكولوجيّتها الدّفينة، وطرح المعضلات الوجوديّة والفلسفيّة التي تواجه  العقل للنقاش، والتحرّيض على تغيير طريقة التّفكير، بحثاً عن حلول جديدة، وهذا ما نراه معكوساً بكثافة عالية في (أدب دوستويفسكي) بالتّحديد، الذي أقرّ الفيلسوف ( نيتشه) باستفادته منه كثيراً، على المستوى السيكولوجي، ذاك الأدب القادر على الذهاب بتناقضات النفس البشرية إلى الحدّ الأقصى، مع حفاظه بالوقت نفسه على صفتي القوّة الأدبيّة والإقناع، سواء أكانت شخصياته تمتهن فعل الخير أو الشر، فالصّدق الروائي لا يأتي فقط، من صدق التجربة الشّخصيّة لوحدها، ولا من المادة التوثيقيّة والتواريخ المبعثرة في النّصوص، بل  من طاقة النصّ التّخييليّة وقدرتها على إنتاج خلطتها الأدبيّة المرجوّة.

  يقول (بردايف) في كتابه (رؤية دوستويفسكي للعالم): (ينتسب دوستويفسكي إلى عداد الكتاب الذين تمكّنوا من الكشف عن أنفسهم في إبداعهم، فقد انعكست في إبداعه تناقضات روحه كلّها، وجميع أغوارها العميقة، وهو يحدّثنا من خلال مصائر أبطاله عن مصيره الشّخصي، وفي شكوكهم يتحدّث عن شكوكه، ويتحدّث في ازدواجيّتهم عن ازدواجيّته، إنّ سيرة دوستويفسكي أقلّ أهميّة من إبداعه).

 (حجر الجلخ) نصوص سرديّة تمتلك الكثير من المقوّمات الإنسانيّة الثقافيّة القويّة، لكنّها محشوّة بالكثير من الكلام المعرفي الاستعراضي الخالي من الأدبيّة، نصوص يهيمن عليها ضمير واحد تغيب فيه الضّمائر الأخرى كلّها، هو (أنا الكاتب) المتضخّمة، ومهما تعدّدتْ الأسماء ( عادل، إيليا، أمجد، محمد، يعقوب، أحمد ..) ستبقى مجرّد صدى لأنا صاحب العلاقات النسائية المتعدّدة، الذي ما فتئ يمتدح وسامته وإبداعه واختصاصه المهني بطرقٍ مختلفة طيلة القصّ، وهنا لا يسعني سوى أن أذكّر الكاتب بنفس كلمات الأغنية التي كان يستمتع بها  في حفلة الشّواء البيتي، هو وصديقته (تانيا) في قصّته  (رقصة زفيتلانا) التي سأتناولها سريعاً، كنموذج للتحليل، لأنّها الأكثر نضجاً واكتمالاً باعتقادي، تقول الكلمات (انتبه إلى أفكارك لأنّها ستصبح كلمات) نعم ستصبح كلمات ليست ملك صاحبها، بل ملكاً للآخر، بمجرد طرحها للتّصدير ضمن دفّتي كتاب.

في سرديّة  (رقصة زفيتلانا) نجد براعة الكاتب واضحة من خلال الإمساك بخيوط السّرد على المستويين المتناوبين المتداخلين الـ (رمزي، واقعي)  والوصف الدّقيق سواء لملامح الشّخصيّات أو لسلوكها أو لتفاصيل الأمكنة، والإضاءة للجزئيّات الصّغيرة المتناقضة التي يتشكّل الحدث من خلال مراكمتها وتقاطعها، والاهتمام بالحبكة، وإيصال الحدث إلى ذّروة توتّره، بقوّة الدّفع الذّاتي ومن ثم الانفراج والحلول، وثمّة إجادة  للعبة تداخل الأزمنة، حيث يقفز الكاتب برشاقة من الحاضر إلى الماضي إلى المستقبل، وكأنّه يعيش في اللّحظة نفسها ضمن الأزمنة الثلاث، دون أن يتخلخل سياق السّرد، كذلك يبدو التّوظيف متقناً لآليّة الحوار الداخلي (المونولوج) والحوار الخارجيّ (الديالوج) في هيكلة البنية السّردية وتمتينها، ومثله الاستخدام اللطيف لتقنية الخطف خلفاً  السينمائيّة، حيث استطاع الكاتب إيقاف الزّمن على قدم واحدة، ليبدو معلّقاً على صدر المكان كقلادة، في لحظة فارقة اندمج فيها المتخيّل بالواقعي، أقصدُ اللّقاء اللّا متوقع  وربّما المتواطأ عليه بشكلٍ ما، على الباب مع ابنه الوسيم أيضاً (إيليا)، يقول: (حين فتح الباب رأى نفسه أمام الباب يسأل عن نفسه خلف الباب) لاحظ شبه الاسم (إيليا مع علي) الذي جاء كثمرة للقائه العشقي بالروسية (زفيتلانا) التي  قضتْ وزوجها في حادث تحطّم الطائرة الروسية في سيناء عام  2015م  وهنا يأتي ذكر التاريخ لحدث واقعي معروف ليضيف  إلى طبخة التّخييل  بهارات المصداقيّة الواقعيّة المرجوّة، كذلك استطاع الكاتب إشادة سرديّته هذه، على حدثين أساسيين بدل حدث واحد تعتمده القصّة القصيرة عادة، وأوصلهما إلى الذروة بقوّة، لينفرجا على طريق الحلّ بتقاطعات جانبيّة مع أحداث  ثانويّة أخرى، الحدث الأول الرئيس تجلّى بتلك المصارحة التي ادّعى صاحبها الحزن (وعليّ يُجيد ذلك دوماً) مع صديقته  تانيا وقد اندمج في بوتقتهِ حلم اليقظة بالواقع، ولا سيّما حين ينتقل الحدث من مستوى التّخييل، إلى اللّحظة التي يُدقّ فيها الباب، بعد أن نجح إيليا  بالاستدلال على عنوان أبيه (المفترض) ومسكنه في الغابة السوداء من خلال الوصيّة القانونيّة،  ثمّ يأتي الحدث الرئيس الثاني الذي أقلقه وذاد من توتّره (موضوع الإيدز) الذي كان يخشى انتقاله إليه من (زفيتلانا)  لتتفاقم حدّة شكوكه بملاحظاتُ الأصدقاء حول الموضوع نفسه، واسترجاع ذاكرته لتلك الصّفرة البادية في بياض عينيها، ثمّ انفراج الحدث بعد تكثيفه الشديد انتظاراً لنتائج التحليل الإيجابيّة وما اعترى شخصيّة البطل خلال هذه المدّة من صراع نفسي مرير وابتهال داخلي حفّزاه لخوض تجربة روحيّة تجلّت في (الصّلاة) تلك الحالة التي لم يألفها يوماً، والتي اضطّرته للاستعانة بالقوى الخفيّة وطلب رعايتها، ومحاولة الاتحاد بجمالها، للوصول إلى برّ الطمأنينة.

أوس أحمد أسعد


طباعة   البريد الإلكتروني