الشعر أم اللغات.. واحتفالية بيومه العالمي

العدد: 9556
الثلاثاء : 24 آذار 2020

 

عندما اختير يوم الحادي والعشرين يوماً للشعر في العالم أجمع، إنما كان اختيار هذا اليوم مفعماً بدلالات الشعر بما يخلقه من أحاسيس كما ميلاد الأرض في خلقها وأعيادها، ففي الحادي والعشرين عيد الأم وعيد للأرض عندما تستقبل ربيعها بإشراقة من الحياة في صحوها بعد غيم الشتاء وأشجانه، وهذا الميلاد تحتفل به سورية أيضاً وهو لمْ يكن حديثاً، فكل من مرّ على دروبها ماضياً وحاضراً إنما يعرف ويَعي قيمة هذا اليوم في تَباشيره التي تحمل أحلامه ورؤاه. 

منه كان لهذا اليوم مكانة في اختيار الحادي والعشرين يوم الشعر، هذا اللسان الذي يحمل الحسّ الوجداني والمخزون المعرفي والتاريخي للأمم أجمع، لمْ ينحصر في شعب أو قوم، بل كان حاجة ماسة لكل الأرواح في كل بقاع الأرض لشدوٍ وأهزوجة وترنّم وغناء, لهذا صدح الشعر مع كل الذين عبروا وسيعبرون على سنوات الزمن ومداراته، وسيبقى الشعر موسيقى الروح وهيامها في مفردات تحكي وتحكي، تتأنق على سطور تحاول جاهدة لترسم الصورة الأجمل، ترسم كرنفالية دائمة في نشيد يشتاق دوماً إلى البهاء، لذا كان الشعر رفيق الروح عند كل المنعطفات الفردية والعامة، والأسماء التي نقشت دواوينها في العالم ما زال عبق مفرداتها يطرق أبواب الذاكرة، تلك الأغاني التي صارت أيقونات عندنا مثل (ت.س. إليوت وموليير وفرانس كافكا وبابلو نيرودا) أما نحن العرب فكل الحكاية عند الشعر كانت قديماً وحديثاً وما وصلنا منهم هو ما أدلّ على نمطية العيش بسلامها وحروبها، من شعراء الجاهلية كامرئ القيس والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى وشعراء العصر الأموي والعباسي والعصر الحديث ولأن الشعر حال لسان كل الشعوب كان لابد له من احتفالية وعيدٍ وأي عيد أجمل من أن يـأتي مع الربيع، لذا أعلنته منظمة اليونيسكو في الدورة الثلاثين عام 1999م ليكون الـ (21 من آذار) من كل عام هو عيد الشعر ويومه، عنه قال مدير العام اليونسكو (فيديريكو مايور) بعنوان (الشعر روح الإنسانية، الشعر جسد العالم) طالبوا فيه بضرورة تسمية يوم عالمي خاص بالشعر وعندما أقرته اليونيسكو، كان الهدف الأساسي منه وظيفياً في تعزيز القراءة والكتابة ونشر وتدريس الشعر في كافة أنحاء الكرة الأرضية ودعمه، لما يمثله ويحتويه من قيم تحمل معها الوجدان الوطني والإقليمي والدول، بينما ما يقره الشاعر المتلقي والقارئ معاً هو بما يحمل من قيم وأفكار تحمل معها في العديد من الطروحات والرؤى قد تصل إلى حدود الفلسفة والإبداع الذي يثير الراكد من المعتقد وزوبعة من الجدل قد تغير بعض المفاهيم التي يستلزم تغييرها، لذا كان الشاعر على مرّ العقود يقولب الماضي والحاضر والمستقبل في غنائية وجدانية تعبر عن قيمة العقل وفكره في بناء الإنسان ورسالته وسيبقى الشعر حاجة لغوية وروحية وجمالية إبداعية تفرضها طبيعة حياتنا المتسارعة رغم اختلاف أشكاله وتعددها وتموجها واختلاف جمهوره في الشكل والمضمون والعدد، يرصد صورة الوجود في أمواجه المتعاقبة ليرفد بحره بوافر أكبر يصل إلى محيطه العاشق رغم أنّ الشعر قد تغير عبر تتالي العصور وغيّر لبوسات عدة وتغيرت أشكاله وصوره وموازينه، لكن روحه ما زالت هي، يحاول أن يجمع الحب في باقة من كلمات، ويسافر بها إلى أكوان قد تلاقينا ولكننا نحن بالتأكيد نلاقيها في مطرح هنا وشغف هناك، أو عند استكانة وهدأة ودمعة، إنه الشعر زاد الروح في كل خطواتها، ولعلّ ما يقوله الفيلسوف هيدغر في قوله عن الشعر: إن دروب أولئك المسافرين هي أكثر جمالاً من كل الأسفار الأخرى، وأجمل منها هي دروب القصيدة، هي موطن الجمال.

سلمى حلوم


طباعة   البريد الإلكتروني