السبـّاحة في الرمــاد

العدد: 9556
الثلاثاء : 24 آذار 2020

 

مدَّ بنظره إلى الأعلى، ليجد طائراً راح يختبئ بأثواب السماء، انتظر عودته ليراه وقد رصّع نفسه على غصنٍ، لكنّه لم يعد.

قال في سرّه: الكلُّ ينبش الأرض بخطوات السفر إلاّ أنا، فأكتفي بالنّظر، من كثرة الوقوف، وجد الجدران تسافر، ثمّ تعود دونما حراك، وإلاّ فما معنى نقاط العبور الإسمنتيّة بين البلاد؟ ما معنى أن يضرب المسافر رأسه بها إذا تعذّر الترحال؟ ما معنى أن ينتحل المرء صفات الآخرين ويدوس على صفاته؟ وما معنى أن ننفي قدومنا من الماضي، لنرتمي على أرصفة المجهول؟
(أبو تمّام) ما زال حاضراً في مقهىً للحماسة، و(صلاح الدين) في ملعبٍ للكرة، و(ليلى) التي تركت قيسها، لتجلس قبالة البحر وتتأمّل أشرعة المغادرة إلى أبعد مكانٍ ليس فيه ماضٍ، بحجّة أن خيمتها قد ابتلعتها الرمال.
الأيّام تحتضر، أمّا الأحلام فما تكاد تأتيه حتى تتسابق مع الهروب، كالأطباق التي أمامنا، وقد صدّقنا بأنّها تطير!
ما زال يمدُّ بنظره ويسأل: لماذا البعض يعيش ألف مساءٍ ونهارٍ واحدٍ، والبعض الآخر في ألف نهارٍ ومساءٍ واحدٍ؟
قبيل ذوبان الانتظار: عرف أنّ كلّ النّهارات واحدة، وكلّ المساءات سواء، والنوافذ تشاهدنا، وما من داعٍ لفتحها!
ما زال الانتظار واحتضار الأيّام، وما زال ذلك الطّائر يحلّقُ مع أسراب الجراد، وكلّما عطش يرتوي بمرضٍ جديدٍ فتّاك.
هكذا نحن مع معظم العالم، نسبح في الرماد، ونقنعُ أنفسنا أنّنا نصارع الأمواج!!

سمير عوض


طباعة   البريد الإلكتروني