من باقات العمر

العدد : 9552
الثلاثاء : 17 آذار 2020

 

كان استعداه لدعوة الأصدقاء، مثل نهر لا يتوقف جريانه! أمّا مناسبة الدّعوة، فقد كانت اختصاراً لذكريات نصف عمره مع الأصدقاء الذّين طواهم الماضي لسنوات عدّة، ثمّ انفتح هذا الماضي ليكون أهم بكثيرٍ من اليوم الأوّل لعمله الوظيفي، ذلك العمل الذّي استعمر فيه لأربعة عقودٍ قدّم خلالها باقة عمره إلى أن ذبلت.

بعد اكتمال الدّعوة في منزله الذّي يشبه حقلاً يابساً خرج لتّوه من موسم حصادٍ لم يترك شيئاً، وقد برزت فيه عورات الجحور، فالنمل في أوج نشاطه، أمّا الذباب فقد كان لا يتوقّف عن حركة الهبوط والصعود مثل مطار عجيب من الطّنين والإزعاج حتّى يكاد يدخل الأفواه!
تجاوز صاحبنا عبارات التّرحيب والاطمئنان بسرعة جوادٍ بريّ، ليمضي في الحديث عن انتصاراته لهذه الوليمة العامرة، فقد عرض عليهم البطاقة التي حصل منها على (جرةّ) الطّهو المنزلي، وقد شمل بها كُلَ جرار الماء في قريته أيّام كانت تُحمل على أكتاف الصبايا، في رحلة إلى النّبع، يقتطع الوقت فيها من تبرجهن ّوزينتهنّ بعد يوم عمل شاقّ، ثم يستمّر صاحبنا في الحديث عن متعة تناول (الشاي)، بعد جولة مضنيةٍ عاد فيها مظفراً بالسُّكر والأرز، لينتقل بعدها إلى بضعة (كيلو غرامات) من دقيق الخبز، حصل عليها بفضل عامل فرن تقاسم معه الإحراج حتّى وصل وإيّاه إلى ذروة القطيعة، وكل ذلك لعمل بعض (الفطائر) بحشائش الطبيعية.
المدعوّون محتارون، وهم أشبه بحالة غرق جماعي في بحيرة!! ونسي الواحد منهم أسباب مجيئه واسم صاحب الدّعوة، فبعضهم لم ينل شيئاً من بطاقته، وحتى لو تمّت له السعادة من تلك البطاقة، فربما لن ينجو من إقامة وليمة كتلك!
يسود صمت هو أشبه بفرقة موسيقية تستعدّ وتتجهز بآلاتها، فتُصدر أصوات شدّ الأوتار وتهيئة المفاتيح، تعبيراً عن تعثر مثل تلك اللقاءات، كرداءة طقس بارد يحفر الأجساد ويتركها تلعن الدفء الذّي لا يأتي.
انفضّ المدعوون بدعوات مواصلة اللقاء في العالم الآخر، إلا صاحب الزيارة، فقد أومض فيهم أملاً يقول: الحياة كالغيوم، لا تستقرّ في مكانها، فكيف بغيوم العالم السوداء قد حطت؟
ما علينا إلا أن نحمل مع باقات أعمارنا قليلاً من الصبر، وبعض الحلول الفردية، طالما الإرادة فتيّة، وأقدامنا تتحلّى بمرونة الذهاب والمجيء.

سمير عوض


طباعة   البريد الإلكتروني