العنــــاقيد الأخــــيرة مشـروع توثيقي كسـر القيـود الزمانيـة والمكانية المفروضـة

العدد: 9529
الخميس 13-2-2020

 

كانت وما زالت الإذاعة معشوقة الكثيرين، فاتحة آفاقاً واسعة من تخيل الأحداث، ورسم الوجوه بشكل خاص والتي تختلف من متلقٍ إلى آخر، شاركت دائماً في بناء الثقافة والوعي الجمعي الشعبي، وبالرغم من الثورة الرقمية المحمومة، وكثرة وسائل التواصل الإعلامي إلا أن الإذاعة، ذلك الصندوق العجيب، بقيت صديقاً حميماً للكثيرين ممن يلوذون بها دائماً للإحاطة بالأخبار والبرامج المنوعة التي تغني معارف وثقافة الفرد، ولاسيما بعض البرامج الممتعة مثل الأعمال الدرامية التي تحاكي الواقع الاجتماعي وتعكس يوميات الحياة، أوجاعها كما أفراحها، وتطلعات وآمال جمهور المستمعين.
كســر القيــود الزمانيــة والمكانية المفروضة بتأليفه الأخير (العناقيد الأخيرة) إنه كاتـب الـدراما الإذاعيـة والمخرج وليم عبد الله الذي استطاع أن ينقـل المســتمعين إلى أحــداث الماضــي بكــل ســهولة ويتعــايش معهــم في الــزمن الحاضــر التقيناه ليحدثنا عن مشروعه التوثيقي الذي نذر نفسه له..
 كيف بالإمكان اليوم أن نوصّف الحالة الدرامية الإذاعية بعد عشر سنوات من الحرب؟
 للحرب أثرها في أي تفصيل من تفاصيل الحياة، فما بالك على العمل الدرامي الذي تأثر بالحرب بشكل كبير سيّما وأنّ المسؤولية الكبيرة تقع على عاتق صنّاع الدراما لتوجيه رسائل توعوية للمجتمع بهدف الحفاظ على أمن وأمان البلاد، والتأثر الذي أتحدث عنه هو الانقسامات في الآراء السياسية عند بعض الفنانين ومحاولة جرّ العمل الدرامي الإذاعي إلى دهاليز مظلمة تخدم مواقفهم واصطفافهم السياسي، لولا صحوة وتنبّه الكثير من الفنانين ونجاحهم بتثبيت خطّ الدراما الإذاعية بما يهدف مصلحة الوطن والحفاظ عليه. هذا من ناحية الفكرة العامة للدراما الإذاعية خلال الحرب السورية، أمّا إذا تحدثت كشخص داخل دائرة الدراما الإذاعية فيمكن القول إنها تطورت من حيث المرونة في العمل الإداري بدءاً من قراءة النصوص وانتهاءً بتنفيذها في استوديو الدراما الإذاعية، ويمكن تحديد فترة العامين المنصرمين كمرحلة مهمة في تطور الدراما الإذاعية وذلك من خلال المشروع الذي أطلقه مدير دائرة الدراما الإذاعية باسل يوسف محاولاً الارتقاء في هذه الدراما لتكون فيما بعد منافسة ومنتشرة حتى تصل إلى شرائح المجتمع كافةً


في ظـلّ التطـورات العالميـة وثـورة الاتصـالات والفضـاء المفتـوح، كيف بالإمكان أن تأخذ الـبرامج الإذاعيـة مكانتهــا الحقيقيــة؟
 ليس صعباً على الدراما الإذاعية أخذ مكانها الحقيقي رغم كل المواقع المُنافسة لها إن تمّكن صنّاعها من معرفة نقاط ضعفها ومعالجتها والبحث عن نقاط قوّتها وتعزيزها. تُعد وسائل التواصل الاجتماعي واليوتيوب والتويتر، من أكثر المواقع منافسة للدراما الإذاعية، سيّما وأنّ الناس قد اتجهوا إلى عوالم الحاسوب والموبايل مهملين ذلك الجهاز الفقير الذي يُسمى (راديو) وهنا أصبح التحدّي كبيراً أمام برامج الدراما الإذاعية لتصل إلى الناس وتأخذ مكانها الصحيح في حياتهم اليومية، في جانب آخر لا تزال الدراما الإذاعية تعاني من مشكلة الترويج والإعلان، فهي لا تذهب إلى المستمع وإنما تنتظر المستمع ليأتي إليها، علماً أنّ المواضيع التي تُطرح في كثير من برامجها مهمة وتعني الناس بمختلف شرائحهم الاجتماعية والثقافية والفكرية، ولكن كما قلت الافتقار إلى الترويج الصحيح لها يُفقدها نسبة كبيرة من جمهورها، فنحن اليوم لا يمكن أن نعرف بأي مسلسل إذاعي إلاّ عن طريق الصدفة، أي يجب علينا أن نستمع لمدة 24 ساعة ولمدة أسبوع كامل حتى نعرف ما هي المسلسلات والبرامج التي تُبث على الإذاعات وهذا باعتقادي نقطة ضعف لم يتمكن أحد من التخلص منها حتى الآن. في حال تمّ علاج مشكلة الترويج فلن يبقى الكثير أمام الدراما الإذاعية لتصبح مسموعة عند جمهور أكثر عدداً من الجمهور الحالي لأنها تقدّم ما يحتاج إليه المستمع ليشعر بأنّ هناك من يشعر به من خلال الحديث عن همومه ومشاكله اليومية سيّما وأنّ الملل قد بدأ يتسلل إليه في بعض الأحيان، من خلال الاستهانة بعقله على مواقع التواصل الاجتماعي في كثير من حالات الابتذال في صناعة الأخبار أو حتى تقديم أعمال لهواة لا تلتزم بأدنى قوانين الدراما المهنية.
 العناقيد الأخيرة مسلسل إذاعي من تأليفك هو بمثابة وثيقة بشكل مختلف لبطولات الجنود، هل بالإمكان أن تحدثنا عنه؟
 العناقيد الأخيرة هو جزء من مشروعي التوثيقي الذي نذرت نفسي له مع بداية الحرب السورية، وكانت البداية قصصاً ثم فيلماً وثائقياً والآن مسلسلاً إذاعياً يتحدث عن القصص الحقيقية التي حدثت في الحرب ويتم معالجتها بشكل درامي، يبتعد هذا المسلسل قليلاً عن التوثيق ليدخل في تصنيف (الاقتباس) وقد كنت حذراً على اختيار التوصيف المناسب للمسلسل لأن القصة الخام على أرض الواقع تحتاج إلى إضافات في بعض المراحل وللحذف في بعض المراحل الأخرى، وهذا يندرج تحت مسمّى الاقتباس وليس التوثيق، بدأنا تنفيذ هذا المسلسل مع كوكبة من نجوم الدراما السورية، ومع المخرجين المنفذين فراس محمد وحمدي شويكي ومخرج العمل جمال العقاد، وقد عالجت الحلقات الأولى من المسلسل بعض قصص الشهداء وفي بعضها الآخر قصصاً لجنود قاموا بأعمال إنسانية مهمة وهم لا يزالون على قيد الحياة، وهنا أريد أن ألفت النظر إلى أنّ المسلسل يتحدث عن حكايات الشهداء والجرحى بالإضافة إلى حكايات الجنود الأبطال الذين لا يزالون على قيد الحياة رغبةً منّي أن لا أحصر الحديث عن الشهيد وإنما هناك أشخاص من المقاتلين قد قاموا ببطولات مهمة، وهم لا يزالون على قيد الحياة وهنا كنت أتساءل دائماً، لماذا ننتظر حتى يموت الشخص لنتحدث عنه؟ لماذا لا توجد أعمال تتحدث عن إنجازات الأحياء؟ لماذا التكريم هو فقط للذكرى وليس للحاضر؟؟ انطلاقاً من هذه التساؤلات، كانت رغبتي في إضافة محور للمسلسل وهو الحديث عن الأشخاص الذي قاموا ببطولات ولا يزالون على قيد الحياة حتى هذه اللحظة. وبالعودة للعناقيد الأخيرة، أحبّ التنويه على أنّ هذا العمل لا يتناول فقط حكايات الجنود، بل يتعدّاها ليتحدث حكايات المدنيين، فهناك الكثير من المدنيين قدّموا أشياءً مهمة خلال الحرب تستحق أن يُسلط الضوء عليها، وهنا كانت رغبتي في إدراج محور إضافي في المسلسل هو محور المدنيين، الاقتباس من قصصهم الحقيقية وتحويلها إلى دراما
ماذا بعد العناقيد الأخيرة... وما هو جديدك في الأيام القادمات؟
 العناقيد الأخيرة هو مرحلة من مراحل العمل الذي أقوم عليه، أي أنني وضعت نُصبَ عيني مشروعاً توثيقياً عن الحرب السورية من جهة والمجتمع السوري المتأثر بهذه الحرب من جهة أخرى، وفي كل مرة يأخذ هذا المشروع شكلاً مختلفاً حسب الظروف المتاحة، الآن أعطي قصص الحرب جانباً درامياً سماعياً وهو من أصعب أنواع الدراما لأنه يعتمد بشكل كامل على الصوت والإحساس والحب، فبدون حبّ الفكرة المطروحة وإتقان نطقها والإحساس بها لا يمكن للممثل أن ينفذها بالشكل الصحيح، وأكرر أنّ هذا النوع من الدراما الإذاعية أصعب بكثير من الدراما التلفزيونية لأن المسؤولية كبيرة على عاتق الكاتب والمخرج والممثل كي ينجحوا بجرّ المستمع إلى ساحة المعركة ليعيش تفاصيلها ويشعر بشعور أبطالها. وبالنسبة للمشاريع القادمة فهناك بعض الأعمال التلفزيونية التي أقوم مع بعض الفنانين بالتحضير لها، ولا يمكن التصريح عنها حالياً كي لا تفقد فرادتها من حيث الفكرة الجديدة المطروحة إلاّ أنني سأعطي تصريحاً في القريب عنها بعد أن نبدأ مرحلة التنفيذ. وفي الجانب السينمائي هناك فكرة لدخول عالم أفلام (الديكودراما) وهو نوع صعب للغاية سيّما وأنّ الإنتاج السينمائي في بلادنا لم يصل إلى درجة الاحتراف الإنتاجي نتيجة التمويل الضعيف للسينما.

نور محمد حاتم


طباعة   البريد الإلكتروني