كيـــلاني: التاريــــــخ ليــــــــس حكــــــــــاية...

العدد: 9527

الثلاثاء:11-2-2020

 

 

بكل تواضع.. أميل إلى الاعتقاد بأن التاريخ ليس رواية أو حكاية إنما هو عقل, ووجدان وذاكرة الوجود الإنساني من قبل أن تطأ قدم البشرية هذه الأرض, وحتى نهاية هذا الوجود.

هذا ما كتبه الباحث المؤرخ محمد حمزة كيلاني الذي نلتقيه اليوم ليحدثنا عن رحلته مع التاريخ وهو من مواليد مدينة حماة 1947 درس الاقتصاد, لكن الأدب والتاريخ احتضناه وحازا جلّ اهتمامه.
له في الشعر محاولات يحتفظ بها لنفسه، نشر كتابه الأول (شعراء منسيون من حماة) وكتاب (معاوية والمملكة الأموية) مازال قيد الطباعة إضافة إلى العديد من المحاضرات والمقالات في مجال التاريخ.


* من المؤكد أن اهتمامك بالتاريخ له دوافعه, هلّا تحدثنا عن تلك الدوافع؟
** التاريخ حقيقة، هو البحر الذي تفرغ فيه جداول الأيام دفقات معاناتها, وتصبّ فيه أنهار السنين والأجيال والأعمار خلاصـة تجربتها, تتوالى أمواجه, وكل موجة منه معاناة عيشت أو تجربة مرت، واعتنقت التاريخ على أنه هو المعلم الذي لا يجاريه في علمه أحد، فهو حكمة الماضي, ودليل الحاضر, والسبيل إلى المستقبل, لذلك آثرت الانضواء تحت جناحه، وعزمت أن أظل قائماً بخدمته, ملازماً صحبته ما حييت.
* هناك من يرى أن التاريخ مجرد روايات تحكي عما سلف فما رأيك؟
** التاريخ كرواية أو حكاية عرضة للتأليف والتحريف وربما التزوير والتزييف، وقد يكون وسيلةً لإلباس ثوب الفضيلة لمن لا يستحقه, وإسباغ الألقاب على الإمعان, وادعاء البطولة للجبناء, والعلم للجاهلين، الصواب أن التاريخ عقل يبدع, ووجدان يقوّم وذاكرة تُغني, ومقياس يحدد معايير السداد, وعبرة قائمة ماثلة أمام كل ذي رأي رشيد، وأنا أرى أن التاريخ لا يُقرأ فحسب, وإنما يُعاش، فهو صنو الحياة بتفصيلاته وتعقيداته, ويسره وعسره وضيقه وسعته وغايته وعبثيته, ونوره وظلمته.
* هناك من يقول: إن التاريخ يعيد نفسه.. فهل برأيك أن التاريخ يعيد نفسه؟
** مقولة شاعت وانتشرت, وبلغت أنها باتت تجري على ألسنة البعض من أهل الرأي, وتطالعنا فيما يصنفه ويكتبه بعض ساداتنا من أصحاب الحكمة والفكر، بهذه المقولة يجعلون التاريخ رواية تروى أو حكاية تُستعاد إذا توفرت لها المشابهة والمماثلة من حيث أداء شخصيات الحكاية وظروف حوادثها الزمانية والمكانية والنتائج التي أسفرت من تعامل الشخصيات مع تلك الظروف.
من هنا يتبادر إلى الذهن أن التاريخ صنيعة الأشخاص, تحكمه طبيعة الظروف, ويتكوّن بالتالي من تفاعل إرادة وحكمة وفلسفة الطرف الإنساني من المعادلة مع العنصر المادي الخارج عن السيطرة الإنسانية، برأيي التاريخ ليس هو الذي يعيد نفسه, إنه يسجل حركة السائرين على درب الحياة صعوداً كان أم هبوطاً ويلتقطها صورة ثلاثية الأبعاد ترصد هذه الحركة بكل مكوناتها اللحظية والمكانية, وما يندرج في كادرها من شخوص ومؤثرات وقد يتوفر لصورة أخرى مقدار من المشابهة والمماثلة للصورة الأولى من حيث الظروف المكانية والمؤثرات والمسببات والنتائج حين يعرضها التاريخ يتبادر إلى الذهن كأنه يكرر عرض الصورة فيقولون يعيد نفسه.


* وماذا عن تاريخنا العربي ؟
** علينا أن نتفق على محاور ننطلق منها عند الحديث عنه:
المحور الأول: على هذه الجغرافية العربية نشأت حضارات موغلة في القدم رصدها التاريخ , سواء في جنوب شبه الجزيرة العربية (وأخص اليمن) أو في سورية والعراق ومصر, وبمجملها تعود إلى مئات وآلاف السنين قبل ميلاد السيد المسيح, هذه الحضارات لكل منها خصوصيته العمرانية والثقافية والاقتصادية ومساهماته على الصعيد الإنساني, نلمسها فيما تركته تلك الحضارات من إرث آثاري يعطي صورة جلية إلى حد كبير عن خصائصها وبشكل موثوق لا يدع مجالاً للشك أو التأويل . ولا مجال للحديث عنها هنا.
المحور الثاني: التاريخ العربي الذي نقل شفاهة أو رواية أو حفظته قصائد نظمت للإشادة بيوم من أيام العرب أو لذكر حرب دارت, أو حول شخصية لعبت دوراً بطولياً هاماً، وما لبث أن اختلط التاريخ العربي بالتاريخ الإسلامي وبدأت محاولات تدوين الأحداث التاريخية, وكانت المرحلة الأولى في نشأة التاريخ محلية بالدرجة الأولى ومحدودة في نطاقها. ففي المدينة مهد الإسلام انصب الاهتمام على سيرة النبي(ص) وعصر الخلفاء الراشدين، أما في الكوفة والبصرة, اتجه الاهتمام إلى الفعاليات القبلية والفتوحات، وما وصلنا من هذا المحور بمجمله يحتاج إلى إعادة النظر لما تضمنه من تضارب واختلاف في الروايات, وما ابتلي به من اسرائيليات وهب بن منبه وكعب الأحبار وسواهما, ولغياب التوثيق الصريح والجلي وغير المنحاز لسياسة أو لتيار مذهبي أو انتماء طائفي أو عرقي أو قومي، فغاب الجزء الأهم في ضبابية مازلنا نعاني منها حتى وقتنا الراهن.
* ما هي برأيك الوسيلة لنصل إلى الحقيقة الناصعة؟
** الحرية، وأعني حرية البحث عن الحقيقة بإصرار وحزم معتمدين على مبدأ المحاكمة العقلانية والنزيهة, ورفع الغطاء عن الجميع كائناً من كان، بحيث نخضع الوقائع والأقوال ومجريات الأحداث التي وصلتنا وأشخاصها للبحث والتحقيق والتدقيق, وندع جانباً مسألة قدسية الشخص, وأن ما ذكره فلان عن فلان أمر مسلّم به لا يقبل النقاش.
* أريد أن أعرف رأيك ونحن نعيش حالة هذه الحرب الهمجية التي شنّت على بلدنا, وكيف سيذكرها التاريخ؟
أولاً: هذه الهجمة الهمجية على سورية ليست وليدة الساعة, إنها أحقاب توالت علينا لعل من أهم أسبابها موقعنا الجغرافي الاستراتيجي ومركزنا الحضاري, إضافة لثرواتنا وخيراتنا منذ عصور ودهور, وهذه الهجمة ما دعوه (الربيع العربي) نتاج ما اصطلحوا عليه (العولمة) التي بشّروا بها, والتي هي بالواقع حرب إبادة للقيم والتاريخ والمعرفة الإنسانية الخيّرة, أعدّوا لها القوة التدميرية على الأرض, والوسائل التي لا تخطر على بال للقتل وفناء البشر والحجر, ثم زوّدوها بأبواق تدعو للسلام..! وألبسوها جلباب التقوى! السادة يقتلون من أجل السلام, ومجازرهم لخير البشرية ونيل رضى الخالق.

لمي معروف


طباعة   البريد الإلكتروني