دربُ وهمٍ و بعضُ يقين

العدد: 9527

الثلاثاء:11-2-2020

 

هي الخمسون وما فعلت, عندما تجعلنا نقف أمام شريط الذّاكرة مشدوهين مشدودين إلى زمنٍ يفرض علينا الأسئلة ربّما يصحّ أن نسمّيها الأسئلة الحَمْقى أو ربّما نسمّي أنفسنا بعض أسماء اكتشفناها, ولأنّك يا حبيبة عمري أحلى الخمسين التي مرّت أقول:
إلى تلك التي ما زالت تقف على مفرق طرقٍ من لقاء, إلى تلك التي أوقفتِ العمرَ وكان فيها الابتداء والميلاد, حيث الحبّ الذّي يُسافر مع يمامات الصّباح ليُداعبَ الأثير محاولاً اعتلاء السّماء نحو قرص الشّمس ليودع رسائله في خزائنها وتبثّها مع قطرات ندى صافٍ كلّ صباح يغشّي زجاج نافذتي.
إليكِ أيّتها الغالية التي عانقتني وأخبرتني همساً في الأذن وصراخاً في القلب, صراخاً رجّ ضلوعي ونفّر دمي ليخبرني أنّ العمر تيبّس بعدما هجرني الحبّ وأصبحتُ كما الرّيح تلوك نفسها وتطوي نفسها على نفسها لأتدثّر بخوفي بعدما كنتُ أنشر الفرح ألوّنه طيف قوس قزح.
ها هي كلماتي تقف حبيسة الحلق بعدما جفّ وتكسّرت كما ألماسٌ على طرقات الصّباح التي امتلأت بأوراق الشّجر التي أبَتْ إلاّ أنْ تفرشَ الدّرب إيذاناً بقدوم الغالية ليقول: فمثلكِ يحقّ له أن يسير على ورد الدروب كالنّدى عليها فيجمّل كلٌّ منهما الآخر, وأنت الأجمل حيث تأسرين النّاظرين وفي الجمال يحارون.
هنا في وحشة الوحدة والغربة أنادي دموعي الحِزان التي عبرَتِ الخدَّ, أناشد الزّمن أن يمنحني الحبّ بعض صبرٍ وبعض سلوى لأتدثّر بالصّلاة وأودّع أيّام الرّحيل بأغنيات الوجع الذّي تبرعم في ضلوعي البِيد بعدما قحُلتْ وبعد أن نالتِ السّنون منّي ما اشتهت ولم ترتوِ.
خمسون ربيعاً ما رأيته إلا في عينيكِ, خمسون شتاءً ما هطلت الأمطار إلاّ من عيون المحبّين الذين غادرهم برق القلب ورعدة الشّوق, خمسون عاماً وقلمي على موعد البيادر التي أخلفت وعدَها وتركتنا بلا سنابل تبثّ فينا الحياة, فأضحينا نقتات جوع الأمنيات وأوجعتنا أمسيات نغفو على وجع الجوع واشتياق الوهم الذّي بتنا نعجنه ليصير خبز الأمل.
هي الخمسون والشتاءات ما أمطرت والدّرب ما أوحلت وغيومها ما غيّرت بياضها والسّماء ما شقّ البرقُ بعضها وما زال الحبّ يبحث عن الذين ظنّوا أن القَدَر بعضه حبٌّ وبعضه جنون, والبعض الأخير كل ما أرادوه درباً للوهم و بعض يقين.

نعيم علي ميّا


طباعة   البريد الإلكتروني