على هامش رواية الحرب..

العدد: 9517

الثلاثاء:28-1-2020

 

كانت الحرب ولا زالت هي المقياس الأكثر دقّة عند قراءة تفاعلات الجمع البشري أثناء وقوع أحداث مهوّلة. وهي الحدث الذي يأخذ العامّة إلى مكان جديد وقد يعيد قولبتهم. ونلاقي في خضمّها تكثيفاً نفسياً حاداً يميط اللثام عن فضاءات النوازع العميقة للكائن البشري. وقد تصدّى الأدب بصفته سابراً للداخل النفسي وكاشفاً لرحابة المتغيرات السايكولوجية الإنسانية، بمختلف صنوفه لدراسة الحروب أسباباً وأحداثاً ونتائج. ونلتقي اليوم بروائي سوري شهد الحرب الدموية التي تُشن على بلادنا المباركة واستطاع أن يكتب عنها حتى قبل أن تنتهي. ولكن لنتعرّف على الروائي علي محمود أولاً، هو من مدينة جبلة، قرية زاما.

ولِد في دمشق 1974 يكتب الرواية فقط وله: سماء زرقاء واحدة لا تكفي 2015 الصادرة عن دار التكوين للدراسات والنشر. وهوّة في باب عتيق الصادرة عن دار آس للنشر 2017 الظلّ المكسور للياسمينة العرجاء وهي الحائزة على جائزة حنا مينا للرواية العربية 2018 ولديه عمل رابع قيد الطباعة في دار نشر أوروبية. وبدأ بكتابة عمله الخامس.
* كيف استطعت الكتابة عن حدث لم ينته بعد، وأعني الحرب القذرة التي نواجهها؟ وهل مباح للكاتب أن يفعل ذلك كما رأينا في روايتك هوّة في باب عتيق؟
** أنا لم أكتب عن حرب بدأت في العام 2011 لتنتهي اليوم أو في الغد، لقد كتبتُ عن رؤية حقيقية – كما أظن- وهي أن هذه الحرب ليست إلا امتداداً طبيعياً لمطامع شتى واستهدافاً تاريخياً لهذه البلاد الساحرة. فسورية العظيمة وهي منبت الحرف الأول والنوتة الموسيقية الأوغاريتية الأولى ووريثة الميثيولوجيا ومهبط الأنبياء وقبلة الفلاسفة والشعراء كانت وما زالت هي الشجرة المثمرة في وجه الجميع. وهي ملتقى لاستراتيجيات خطرة لذا ستبقى دريئة للكل وسنبقى نقاوم. ومن هنا كانت روايتي هوّة في باب عتيق. هي باب للحلم بوطن حر جميل ولإيمان مطلق مني ومن أشباهي بأن هذه الذئاب البشعة التي تكشّر بأنيابها في وجهنا ستجد هنا حجر رحى عظيمة تتكسّر عليها.
* ولكن أليس ثقلاً على الأدب والرواية على وجه الخصوص الدخول في هذا العالم الدقيق؟ ألا يمكن أن تقع الرواية في فخ التّأريخ والتوثيق؟
** إذا امتلك الراوي وسائل إنتاجه بحزم لما لا؟! ثم هل يضرّ الأدب أن يكون هو الشاهد الأكثر مصداقية – وهذه مهمته على كل حال – على مجريات الحدث اليومي. لقد قدّم لنا التاريخ أبطالاً وشخصيات في الحروب رسمهم على أنهم مخلّصين، ولكن أين هم أولئك الجنود المساكين الذين قدّموا أرواحهم؟ لماذا لم نسمع بهم؟ لقد وقف الأدب في وجه الشهرة الدموية وأنا شخصياً كتبت عن أبطال الظلّ عن أولئك البسطاء الذين لن يذكرهم أحد وبقليل من حذاقة مهنية لن يقع الكاتب في مطب التوثيق وإن كان هو المؤرِّخ الأكثر شفافية وصدقاً ولكن بأسلوب أدبي مستساغ. نعم من واجب الراوي أن يكون موثـِّقاً لكل هذا القبح وأي قبح يراه ولكن بجمالية يبتعد فيها عن التقريرية والجمود الأكاديمي الذي يخلل بنيان عمله.
* وهل تظن أنك استطعت أن تفعل ذلك وتتجنب هذا الفخ؟
** لا أعرف، أنتم تحكمون. أنتم؟!!! من تقصد؟ القرّاء، النقـّاد، المتلقي بشكل عام.


* وهل الجميع على سوية واحدة ليكونوا على رأي واحد؟
** منطقياً يختلف المختص عن غيره ولكن يستطيع كل من يقابل عملاً أدبياً أن يقول عبارة بسيطة: لقد أعجبني هذا العمل وعبّر عني ونال رضاي، أو أن يرميه من أقرب نافذة.
* الرواية بشكلها الحالي كما نعرف هي طارئ على الثقافة العربية. فهل ترى بأنها تقدّم شيئاً للقارئ العربي وهي لم تكمل بعد قرناً وربع من عمرها؟
** الشكل المعروف للرواية على اختلاف أنواعها هي جدٌّ جديد على مكتباتنا هذا صحيح. لكننا في هذه البلاد المشرقة ومنذ التشكيل البشري العاقل ونحن نمتهن الروي بأشكال متباينة. من حدو القوافل إلى ألف ليلة وليلة والسير الشعبية كالزير سالم وتغريبة بني هلال ناهيك عن الأساطير الأولى كجلجامش وغيرها، ونحن نحيا الرواية ونستعذب السرد الحكائي. ومن تلك الحقبة وحتى تبلّورت الرواية العربية وأخذت شكلها الحالي والناس تتآلف معها وتنتفع بها. فالمدرسة الواقعية الاشتراكية الجديدة مثلاً ومن روادها حنا مينه ونجيب محفوظ وصنع الله ابراهيم وغيرهم قد سبرت الهموم اليومية للناس وقدمت تحليلاً دقيقاً لأمزجة الشارع العربي كل في زمانه ومكانه.
وأدب الحرب في سورية مثلاً قدم لنا حقائق صادقة وصادمة عن حال الناس وبؤسهم ومعاناتهم التي لا يحتملها الجنون نفسه وتحدث بإسهاب عن زرع الدماء في الشرفات وغرف نوم الأطفال وبهذا فقد وجّه صفعة للميديا والتخبّط الإخباري المريب لا مثيل لها. كما رأينا في رواية طابقان في عدرا العمالية لـ صفوان ابراهيم.
* حسناً والرقابة هل ستبقى كابوس الكاتب الأزلي؟
** في الحقيقة نعم. وبخاصة الرقابة الأميّة هي أكثر من كابوس بل هي مدية ملّثمة أمام عين الكاتب. الأدب لا يحتاج إلى رقيب وإلا سيرى الكاتب كل صباح وفي فنجان قهوته شاهدة قبر. حينها تفقد المجتمعات وبتراكم غير مباشر أو واضح هويتها الثقافية وإرثها التاريخي وتتحول تدريجياً إلى مدن عمرانية بلا هويّة ونصبح ألعوبة بين ثقافات شتى. إن فقدان الشغف الأدبي الذي هو روح المجتمعات وسيرورة الناس يصيرنا إلى أمة للاستهلاك المباشر بلا نكهة.
* لكن هناك أدب بمستويات متدنية أو سلبي وأسود حتى، فمن يحكم نتاج الأديب وقتها؟
** نعم نجد دائماً أدباً بمرتبة اللامنفعة وهناك من يبثّ السّم في الدسم ولكن إذا رفعنا من سوية المتلقي العام فسنجد هذا النوع من الأدب يسير على قدميه بلا سند حتى إلى حاوية النفايات.


* وكيف يتم رفع سوية القارئ ونحن في حرب عنيفة لم يشهد لها العالم مثيلاً؟
** هذا واجب الحكومات المتعاقبة والمؤسسات الثقافية العاملة في الدولة. يجب إعادة تأهيل الوعي الجمعي لرفع سوية الذائقة العامة لدى الجميع. علينا كلنا أيضاً إعادة تدوير هذا التهاوي الثقافي العام وبناء روح إنسانية ترنو إلى الشمس بعيون مفتوحة. ونشر أدوات المعرفة والتركيزعلى الكتاب وحضوره في كل مكان.
* هل ترى تقصيراً من مديرية الثقافة في مدينتنا اللاذقية؟
** ليس تقصيراً أو إهمالاً بل هي تقدّم جهداً هائلاً تحت إدارة الأستاذ والصديق مجد صارم. ولكن بقدرات وإمكانيات متواضعة وأظن هذه حال الثقافة بشكل عام في البلاد. ويجب تحويل عين المبالاة إلى الثقافة فهي أساس بناء الكيان الإنساني برمته.
* ما هي هواجس الكاتب برأيك؟ هل هي اقتصادية – مجتمعية؟
** كلها مجتمعة ولكن في الواقع الهاجس الأكبر هو أن يسير في شوارع بيضاء وهو يكتب. شوارع متسعة بلا إشارة مرور واحدة. فالكاتب لا يخبئ في مطبخه دبابة أو يخفي صاروخاً تحت سريره! هو يملك رؤية ناضجة لزيادة عمل رئة الناس ولفتح باب البصيرة. ومن المخيب للأمل أن يغرق الكاتب في شؤون معيشية تأخذ من تفكيره وتحجبه عن متابعة الركض في سهوب المعرفة. الكاتب بحاجة نافذة مفتوحة دائماً على كل الجهات.
* ماذا قدمت جائزة حنا مينه للراوي علي محمود؟
** في الواقع التكريم شيء محبب للجميع والجائزة هي لفتة طيبة وتقول: نحن نراك ونرى جهدك ونقدّره ويجب أن يكون التكريم دائماً في حياة الأديب أي قبل أن يرحل وهنا نكون قد أعطيناه جزءاً مما يستحق فالأدب لا تقدره جائزة. وإن كانت الجائزة الحقيقية هي الناس. محبتهم والتوغل في عالم الفقراء ورفع رايتهم عالياً وهنا حتماً الجائزة الأسمى والأغلى.
* ومن ناحيتك لمن تقدم هذه الجائزة؟
** لقد قدمتها مادياً ومعنوياً لبناتي الأربع: مايا الدمشقيّة – رند – يارا – إيميليا. قدمتها لهنّ. فهنّ وغيرهنّ مستقبل هذه البلاد المتعبة والأطفال من يرثون كل هذا الظلام لابد سيشقون طريقاً وردياً جديداً تعدو فيه أيامنا بلا عرج.
ومن الجدير بالذكر أن الروائي علي محمود حائز على جائزة حنا مينه.

لمي معروف


طباعة   البريد الإلكتروني