من بلــد الأبجديـــة ..الشـاعرة بدريـة إبراهيم وأبجديــة تحكي للغــزل

العدد: 9515

الاحد: 26-1-2020

 

للقصيدة وطن وروح تعلي قيمة الحياة، لها سطر وبيت وبحور من الشجن، ولها قلب يتنقل بين المفردات، ينتقي وينقي ويتأنق على مبسم ينشد الحكاية، وكيف إذا كانت هذه الحكاية سورية وعلى لسان حاضرها وماضيها ومستقبلها... إنها الأم السورية عشتار التي ما برحت مكانها، ولا أخلت بعطائها لأولادها، وما زالت تلك القصيدة تنثر الحب (أبجديات الغزل)، أبجدية سورية أنجبت حباً ما زال بتوالد على الشفاه، ورسمه ما زال يخط وشم الروح، يعانق في كل بوح مدىً حدوده السماء.
من المحكي تصطف الأغنية، تعانق الأغنية في تعداد جال على الزمن، كانت عينه تبصر أكثر عندما تخط أبجديتنا في بلاد الشام، الموئل الأول ومهده، من أبجدية صادقة قدمتها الشاعرة بدرية إبراهيم كان لمجموعتها الشعرية دفء يلتحف السطور، ونغم يشد السمع، وترقب للكلمة تلو الكلمة والشاعرة بدرية عزيز إبراهيم هي من النساء السوريات اللواتي ما زلن يؤمن بالكلمة الأصل والوصل فهي المربية عملت بالتعليم, تكتب شعر الزجل ولها ٢٦ ديواناً شعرياً في الزجل, والشعر الفصيح, تكتب الأغنية والموال، ولها رواية بعنوان (جزيرة النساء), شاركت بكثير من اللقاءات الثقافية والمهرجانات في معظم المحافظات, ولحضورها الفاعل على الساحة الثقافية كان لنا لقاء وحوار, لنلقي الضوء أكثر.

 

* الشعر إحساس يتأبط لغة، كيف تتأنق الأحاسيس على نمط شعري، ولماذا اختلفت هذه المدارس؟
** الشعر هو إحساس وشعور ومشاعر يحس بها الشاعر أكثر من غيره، وعندما تجتمع في بوتقة العقل تكّون بحراً تتلاطم صوره الإبداعية وتحيك القصيدة على منوال الخيال والروعة لتصل إلى المتلقي الذي يتذوق الكلمة، وخاصة إذا كانت تعزف على أوتار قلبه وتمسّ إحساسه وتنطق بما يفيض به خاطره، وتختلف الأنماط الشعرية باختلاف المدارس التي ينتمي إليها الشعراء، وما تفرضه البحور الشعرية، وقد كان للشعر الزجلي نصيبه من الروعة والجمال بين هذه الأنماط، حيث تكثر فيه الصور وتزدهر لترضي أغلب شرائح المجتمع, فقد رافق الفلاح في الحقل والعامل في المعمل وأخذ حيزاً في حماس المقاتل ودعمه بشكل غير مباشر ودب روح الحماس فيه أثناء المعركة وفي وقت استراحته حتى أنه استحوذ على رضى الأطفال في التعبير عن فرحهم وكذلك في الأتراح وفي المواقف الحزينة.
* الشعر الزجلي شعر ذو هوية لبلاد الشام، لماذا كان إصدارك (أبجديات الغزل) باللهجة المحكية؟
** كان شعر الزجل أو ما يسمّى بالشعر الشعبي في بلاد الشام له طابع خاص حيث انطلق معبراً عن عادات وتقاليد تلك المنطقة، وقد عبر عنها الشاعر بشكل استطاع أن يوصف معظم هذه العادات كالبيدر وحمل الحطب والدوارة وقد أبدع البعض في نقلها كأغنية تراثية تغنى عبر الأجيال ويتناقلها المغنون لتبقى خالدة تذكرنا بماض جميل عاشه الأجداد، أما ديواني الأول والذي اخترت له عنوان (أبجديات الغزل) والذي كتبته باللهجة المحكية لعدة أسباب أولاَ حبي لهذا النوع من الشعر والذي كما أسلفت سابقاً يلامس إحساس أغلب الناس ويدغدغ مشاعرهم إضافة إلى أن الشعر المحكي، كلماته بسيطة الفهم ألفاظه في متناول الجميع، يصور حالة الناس في هذا المجتمع بصورة شعرية ومغناة.
* الديوان تكثر فيه عناوين الحب والحنين، مثل(نويت الهجر، عيون حليانة، دمعة جرحتني، حسرة قلبي...) وقصائد أخرى كثيرة، الحب والعواطف الجياشة بين الماضي وهذا الحاضر الصعب، ماذا يترك من مشاعر؟
** يمر الإنسان في حياته بمواقف وحالات تتشابه مع الجميع ومن هذه الحالات حالة الحب الذي لا يمكن لمخلوق أن يعيش دون أن يشعر بالحب وهو الحالة المقدسة لكل البشر ولذا كان للحب والحنين نصيب في ديواني هذا، فالكل يعشق ويسهر ويحن للحبيب ويتلذذ بالحب ويغني له ويحلم بلقاء الحبيب لو كان بعيداً ويتغزل به ويناجيه عبر مشاعر يفيض بها القلب... (دخلك يا ليلي دوم سهراني، مأسور قلبي بطيف خلاني، دور بجنح الطيف والنسمات، جوا عشوق جنون مساني) وفي المقابل كان للهجر نصيب: (قلي بعتم الليل جاي ودعك، نويت الهجر كرمال ما أبقى معك، عيوني بهواك من الصبر ملو الهوى، عمري مضي ناطر عدربو يعشقك).
وحتى الدمع لم أغفل عنه (بين الضحكة وبين البسمة، سرحت دمعة جرحتني), ولقد مررت على ذكريات الطفولة: (كنا زغار تنينا ربينا، نلعب سوا وهمومنا نسينا، عشنا بفرح عدروبنا مجانين، مطرح مبدو الشوق يرمينا), وتخللت الحسرة التي تمر علينا لتترك بصمة تؤلمنا بعض الأحيان من قسوة شخص ما ومثال عليها من قصيدة (حسرة قلبي): (ما عم أتذكر منك غير الآلام، حسرة قلبي عا حالي وعا أحلامي).
أنا أتصور أن الحب لا ينتهي ولا يمكن أن يتوقف مادام فينا روح فقط يختلف من مرحلة لأخرى ولكن في كل الأوقات نجد من نحب ونشعر بالاشتياق له، ففي زمن مضى كان الحب والشوق للحبيب, والآن أصبح للابن الذي يقف على جبهات القتال لمحاربة الإرهاب الذي غزا بلدنا أصبح الحب لعودة الأمن والأمان إلى ربوع سورية، إلى تعافيها من دنس الأعداء, والتخلص من حقد وظلم الجهال, وهنا تحولت المشاعر إلى خوف على البلاد والخوف على مستقبل أولادنا على مجد تعب به آباؤنا والعدو يسعى لهدمه بجهله وحقده.
* في قصيدة (شمس هالكون) قصيدة طويلة لسورية الحبيبة بتاريخها الحضاري والإنساني، ماذا سيحكي المحكي في زجلنا عن سورية اليوم؟
** لقد كان لا بد من نسج قصيدة وطنية لسورية الصامدة والتي استطاعت أن تكون لنا حبيبة نستظل بحبها ونتغنى بجمالها إنها (شمس الكون) أقول في مقطع منها: (إنت الدني ياسورية بمحبتك، ورد وعطر والناس ألفوا جنتك، الله الزرع فيك الحلا وسع الحمى، صاغ الحروف وترجمو من لهجتك، وحدك ربوع السلم والسلم انسمى، باسمك سورية ومعلمو من طلعتك).
أما اليوم فالزجل لديه صور كثيرة تحكي عن سورية وعن شعبها الذي وقف يجابه الطغيان وعن كل جندي وعن كل شريف تحاك ألف قصيدة.
* في قصيدة (ضيعتنا) صفحة ٦٧، ذكريات تعانق الروح ... مكان المولد والنشأة، كيف يصيغ الشاعر وما هو مدى التأثير والتأثر؟
** نعم هكذا ضيعتنا (المشيرفة) كما وصفتها, ساحرة مازالت تحتفظ بالذكريات وفية تروي الحكايات التي حدثت عند النبعة بين رجلين تباروا بالمنقلة وعلى الصخور مازالت حروف العاشقين تظهر تلك المشاعر على مر السنين إنها ككل القرى الجميلة التي أغنت مشاعري بكل ما هو جميل لقد أسرتني وأثرت بي إلى حد أني كلما قرأت هذه القصيدة أعود إلى أيام الطفولة فأعيش الماضي والحاضر بآن واحد.
* هناك قصائد تتكلمين فيها بلسان الرجل وهيامه، كيف يمكن أن تكتب المرأة عن هوى الرجال؟
** أتصور لا يمنع أنني أنثى أن أحكي بلسان رجل من خلال عدة قصائد وأترك للرجال الحكم في تلك الصور, (متل القمر راكض ورا الغيمات، يوم الأنا تمنيت إني زورها، من النوم فيقني الحلم ووعيت، فتش فراشي عن بقايا عطورها).
وبالمقابل لم أنسَ الرجل من قليل من الغزل فقد تغزلت به وهو يستحق لأنه مظلوم قليلاً فأقول له: (حبيبي البدر بليلة كمالو، مبقدر أوصفو بخلقو وجمالو، يوم البان لعيوني سحرني، صار القلب يتحدث لحالو، حبيبي ودنيتي الغالي السكني، بوسعو الكون ما برضى بدالو).
* للشعر الزجلي أنواع عديدة، منها القصيد والموشح والمجزم والمعنى والقرادة، ما هو الفرق بين كل نوع؟
** للزجل أربعون نوعاً ولكن المتداول به أنواع قليلة نعم كما ذكرت منها الموشح والمعنى والقرادة والقصيد والطقطوقة, والاختلاف يكون بالقافية فمثلاً الموشح والقرادة يمكن أن نغير القافية بعد الكوبليه ونعود إليها حسب أحادي مردود أو ثنائي مردود أو ثلاثي وهكذا.... وإما قافية موحدة في الشطر الثاني مهما طالت القصيدة.
* للشعر المحكي في سورية جمعيته، ماذا تقدم لشعراء الزجل المحليين والعرب؟
** نعم توجد جمعية تضم شعراء الزجل ولكن لم أنتسب إليها لأنني شعرت بأنها ينقصها التنظيم في طريقة التعاطي والعمل, مع احترامي للجميع.
* فتور وهج الشعر المحكي وجمهوره واحتفالياته، كيف تعللينها؟ وكيف السبيل برأيك لعودة ذاك الألق الحيوي؟
** طبعاً الزجل القديم يصفونه بالتراث والأصالة, لكن أنا أسأل ما هو التراث الذي يمكن أن نقدمه للأجيال القادمة لو ألغوا هذا النوع من الشعر وللأسف بعض القرارات أدت إلى جموده وعدم الاهتمام به جعل شاعر الزجل يمل ويبتعد عن توثيق شعره ويقول ما الفائدة؟! إذا وثقت ولم تكن هناك جهة تتبنى هذا النوع من الشعر والدليل أنني توقفت عن توثيق كتاباتي عند صدور تلك القرارات، أما رأيي عن السبيل إلى عودة ألق الزجل أن تكون هناك لجنة مختصة بهذا النوع تقيم أعمال الشعراء وإنتاجاتهم، قيام مهرجانات تختص به، وعمل مسابقات لشعراء الزجل، تسليط الضوء على الشعراء وأن تكون جهة غير الجمعية ترعى هذا النوع من الشعر، ومراقبة الأغنية التي تغنى على الشاشات من صحة نسجها, لأن الأغنية والموال هما شعر زجل.

سلمى حلوم


طباعة   البريد الإلكتروني