لا عين ترى ولا أذن ..

العدد: 9474

الأحد: 24-11-2019

 

 

ها أنا أحملُ الشّمس كما سيزيف الذي أرّقه الهوى بما كان منه وبه، ولم يكن حالي بأفضل حالٍ من حاله التي أشقتني بما عَلمتُ أنّه الهوى، هي الليالي نزيفات لا الجرح يندمل ولا أجد له إلا التجدّد والانبعاث وكأنّه نبع لا ينضب أو شلال لا أدري من أين جاء إلا أنّي أعلم أنّه غزير الدّمع ومليء بالآهات التي تشبه صفير ريح في الوديان يكاد الصّدى يأتي بالمدى من بعيد ويأخذه مرّة أخرى نحو اللا محدود والموجود إلاّ في ذاكرة الأيّام التي أخذتْ سيزيف إلى مقصلتها، تلك الأيّام التي جعلتْ من الذّكرى أراجيح معلّقة في الهواء وليس لها من هدف إلا أنْ تأخذنا يمنة ويسرة أو تقذفنا مرّة نحو الأمام ويلفظنا الأمام إلى الخلف مرّة أخرى، ونبقى موقنين بأنّا في الهواء سنبقى معلّقين لا الوراء بماضيه سيُحيينا ولا الأمام بمستقبله سيُنجينا وهكذا سنبقى على ما نحن عليه من ضياع بين أنْ نكون ما أردنا أو أن نكون بعض ما أردنا، لأنّه الضّباب لا سواه وحده الذي يكشح البيان وتبتعد الرّؤى عن العين التي ترى ولا تعي ما الذي تراه ولا تعلم لماذا هي كذلك، وتبقى على حيرتها من أمرها، أيصحّ أن ترى العين ولا ترى؟ لأنّه الضّباب يلفّ حياتنا ببياضه الذي ينسج خيوطاً في العيون فلا العين بقادرة على الرّؤية ولا البياض بمفسحٍ المجالَ لها أن ترى غير بياضه، وهنا تكمن الأسئلة التي لا تجد لنفسها مخرجاً إلا السّؤال تلو السّؤال فتُعيدنا إلى البدء من الحال التي تحمّلنا أوزاراً لا نذكر أنّا فعلنا منها شيئاً ولا ارتكبنا أخطاءها يوماً، ولكنّا نحن لا سوانا المحكومون بلعنة الأوزار والخطايا.
يا لهذه الأوجاع التي تجعلنا نرتمي على الطّرقات نشلح أقدامنا وكأنّا نريدها أن تخرج من أجسادنا وألاّ تأخذنا إلى ماضٍ يقضّ المضاجع أو حاضر يزيد المواجع، فهذه الطّرقات قد غطّاها الخريف بأوراقه وكأنّه قد خجل من يومه وما كان به أمسه وكأنّ الذكريات تتساقط ولا تجد لها مطرحاً إلا الطريق الذي بدوره يرميها ويحمّلها للرّيح علّها تأخذ الذّكرى إلى حيث اللا مدى ولا يجد الصّوت لنفسه الصّدى .
هي الأيّام التي كانت وما أجمل اختيارنا في لحظاته وما أقساها أيّامنا في بعض تبعات تلك الاختيارات التي ينطبق عليها القول لا عين ترى ولا أذن ...

نعيم علي ميّا


طباعة   البريد الإلكتروني