حفــــلة آخــــر الليــــل

العدد: 9474

الأحد: 24-11-2019

 

 

في الثّلث الأخير من كلّ ليلة, باقة أصوات تتآلف كعاصفة ترقص مع الرّياح، فتعلو وتنخفض، ثمّ تصطدم بحواف البكاء ودهاليزه، فيخرج الصّوت شجياً عذباً!
في كلّ ليلة أحاول معرفة مصدر هذا الصّوت. لكنّني لم أفلح أبداً، إلى أن جهّزت نفسي لمغادرة المنزل في مثل تلك السّاعة المتأخرة وتتبّع مصدر الصّوت، وفعلاً كان ذلك، ونجحت في تحديد الاتّجاه الصّحيح، ودنوت كالعتمة الفائضة عن الّليل دون أن يشعر أحد بوجودي، فوجدت رجلاً في أواخر العمر يحدث نفسه تارةً وتارةً يغنّي، وأخرى يقلّد مواقف الحزن والفرح، وقد حمل صندوقاً خشبياً يطرقه بين الحين والحين و بيده الأخرى أسطوانة معدنيّة يقوم بشحذها على حجارة كبيرة!!
كلّ ما يفعله كان منظماً، مما دفعني فضولي لمعرفة ما يقوله بصوتٍ يشق الحنجرة نصفين، ولا يدل على أنه فقد عقله أو تزاحمت أفكاره.
فهمت أخيراً بأنه حين يتذكر ابنه المسافر، كان يعيد مشهد الوداع وكيف بدد ماله على نفقات سفره إلى بلاد فيها أحلامه.
كان الابن يؤكد في لحظة الوداع، بأنه لن ينساه في إرسال معونة شهرية تغنيه عن السّؤال وتتيح له التّبرع للمعوذين المحيطين به/ بل ويزيد أيضاً بأن والده سيتنفس الرغد والهناء، وتكون خطواته بثقة ثري حمل رفاهيته مع كل خطوة!
لكنّ شيئاً من هذا لم يحدث، فالتبريرات تأتيه من ابنه كالماء الذي يغرق ولا يطفئ الظمأ!!
ينتهى المشهد الأوّل، ليأتي المشهد الذّي تحتله ابنته والتي أقنعته ببيع منزله الصّغير، والالتحاق بشقتها السكنية لتعتني به أكثر، ويكون بركة على ابنائها والمساهمة في الإشراف عليهم.
ولأنه لا فرق بينه وبين ابنته، فقد أعطاها المال لحل بعض الأزمات، والارتقاء بمستوى المنزل وتحسين ظروفه.
لم يكتمل الشهر حتى صارحت الابنة والدها بأن المنزل قد ضاق بوجوده، وأن أولادها قد قصروا في دروسهم.
لم لا وسعاله الليلي لا يتوقف، وجلبته في القيام بواجباته الربانية مستمرة، فانطلق من منزلها إلى حي الأقرباء والأصدقاء والمعارف يستضيفونه. لكن الضيافة لم تدم في كل منزل لأكثر من يومين، مع الكثير من الاعتذار والتأسف الحاد والقريب من التوبيخ، ليجد هذا الرجل الذي أوشك عمره أن يصير خيطاً في ثوب الذاكرة، وقد انتهى في حديقة مهملة
يجلس فيها ليلاً، ليعيد مشاهد حياته وكأنه على خشبة مسرح جمهوره هو أنا، ولا أدري ما الذي دفعني إلى معاودة المجيء لهذا المكان مرّات ومرّات، وفي كلّ مرة كان يقوم بإضافة ذهبية لحكاياته العديدة، والتي لا تقل عن مشاهد ابنه وابنته، وفي نهاية كل مشهد كانت أساريره تنفتح على الضحك والبكاء معاً، وفيها الكثير من التسامح ولهفة اللقاء.

سمير عوض


طباعة   البريد الإلكتروني