الكلمـــــة مســـــؤولية تجسـّــــد انتمــــــاءاتنا

العدد: 9474

الأحد: 24-11-2019

 

 

الوطن هذه الشجرة العظيمة التي نستظلّ بفيئها، وننهل من معين أرضها، ونتنفس أوكسجين هوائها، ونأكل من وفورات خيراتها، أمٌّ حنون رؤوف عطوف، نتبادل وإياها الحبّ بالحبّ والعطاء بالعطاء، نتقاسم معها رغيف يومنا، نحيا ونموت فداء ترابها، تحتضننا سماؤها، وتعبّد لنا ترابها دروب خير وسلام، نتكئ على أغصانها، نبوح لها بأوجاعنا وأسرارنا، نتشبث بجذورها وأصالتها وتاريخها، فهي أرض الآباء والأجداد، تزخر بالتراث واللغة، وتنبض بالأصالة والعنفوان..
كلٌّ منّا مسؤول عن نهضته وازدهاره وبنائه وتقدمه، بتعاون وتعاضد الكل دون استثناء وليس الفرد وحده، في السّراء والضّراء، في الحرب والسلام، بسواعد الخير، وجباه الشرف والأمانة.
فالوطن ليس مجرد جواز سفر نعبر به ومنه، إنه انتماءٌ وارتباطٌ تاريخي واجتماعي وإنساني..، ومسؤولية النهوض به وحمايته فرض عِين على الجميع، نتبادل وإياه البذل والسّخاء، نؤمن به أرضاً ويؤمن بنا أبناءً، نبرّ به ويحفظنا في كنفه، كما العائلة الواحدة، دون تذمّرٍ أو تباكٍ، فالوطن للجميع، وعلينا رفع اسمه عالياً وخدمته والذود عن حياضه، وبذل الغالي والنفيس في سبيل عزّته ورفعته.
نبني ونعمّر، نؤسّس ونرفع، نركز على القيم الإيجابية ونتعامى عن السلبية والممارسات اللاأخلاقية، فنصون أسواره ونحصّن أبوابه في وجه الفساد والفوضى والسرقة والخيانة، بالنزاهة والأمانة والعفّة والنظام.
فليكن كلٌّ منا ربّان هذه السفينة، ويمخُر بها عباب الحياة إلى برّ الأمان والسلام، فلا تتلاطمها أمواج التمزّق والتشتت، ولا تتقاذفها رياح التشرّد والشقاء.
وليكن الواحد منّا طبيباً يعالج الأمراض ويستأصل أورام العبثية والتخريب بمبضعٍ من القيم والمبادئ والأخلاق الحميدة، فنثبت للعالم أجمع أننا أمة خلقت لتعيش وتحيا وتعشق تراب وطنها وماءه وسماءه وهواءه.
من هنا استحق وطننا علينا عدداً من الواجبات والفروض، نؤدّيها برضىً وأمانةٍ، ووجب علينا تحمّل مسؤولياتنا في مختلف مجالاتها ومداراتها، وتنطلق المسؤولية من الشخص ذاته وحسّه الوطني والغيري، بدءاً من حيّه الذي يقطنه ومسؤولياته تجاه أهل داره، من تربية وتعليم وتلقين لمحاسن الأخلاق، وتأمين متطلبات حياتهم المعيشية من مأكل ومشرب ولباس...، كذلك لجيرانه حقوق عليه، حتى الشوارع والأرصفة مسؤوليته نظافتها والحفاظ عليها، وفي الدائرة الأوسع تتجلى مسؤولياته تجاه أصدقائه ومحيطه وزملاء عمله...
وإذا أردنا تخصيص المسؤوليات يمكن فرزها وتشعيبها إلى أنواع متعددة، تندرج كلها في إطار المسؤوليتين: العامة والخاصة، أما الخاصة تحدثنا عنها آنفاً، أما العامة لها أنواع أخرى تنضوي عليها: كالاجتماعية والدينية والاقتصادية والقانونية والثقافية، ونركز هنا على هذه الأخيرة لما لها من تواصل واتصال يومي بعملنا الإعلامي.
كلّ مسؤول عن نتاجه الثقافي، فالفنان التشكيلي مسؤولياته تنحصر في فنّه ولوحاته، وضرورة احترام بصر المتلقي وبصيرته، وعدم الإسفاف أو الابتذال فيما يقدّمه.
كذلك حال الأديب والقاصّ والشاعر والروائي، لهم الحرية في نشر وبثّ كتاباتهم على مسامعنا وأبصارنا، لكن دون انتقاصٍ لعقولنا أو خدشٍ لحيائنا أو استفزازٍ لمشاعرنا مع توخي الأمانة والموضوعية السردية...
ليس هذا وحسب إنّما تنطبق المسؤولية الثقافية على جميع القائمين على الثقافة وأهلها، من ضرورة تقديم منتج ثقافي مستوفٍ شروطه العلمية والتاريخية والتوثيقية والفنية والأدبية..، وعدم المساس بنتاجات الغير أو الإقلال من أهميتها أو انتقادها لمجرّد النقد، أيضاً لابدّ من وضع تصوّرات الجمهور ومتطلباته نصب أعينهم، وتقديم ما يلبي رغباتهم ويشبع فضولهم، ويرتقي بعقولهم، بما لا ينحدر بها إلى الحضيض باستخفافٍ واستهزاء.
وللطفولة حقوقٌ وواجباتٌ تحتّم علينا القيام بمسؤولياتنا تجاهها وتلبية احتياجاتها، وتوجيهها التوجّه الصحيح، تنشئتها وتربيتها التربية الصالحة لإعداد جيل المستقبل الواعي المثقف المدرك لقضايا مجتمعه ووطنه، الناهض بعزيمةٍ وقوّة لاستكمال ما بناه آباؤه، والحفاظ على موروثات أجداده وأسلافه.
أما الشباب، هذه الفئة التي نعوّل عليها كثيراً، لها مسؤولياتها وعلينا مسؤولياتنا تجاهها، من احتواء هذا الكنز البشري الهائل بقدراته ومقدراته الجسدية والعقلية والعلمية والإبداعية... وتوظيفها في خدمة المجتمع وبناء الوطن، واستثمار طاقات هذا الخزّان واستخراج ثرواتها الكامنة والتركيز على الظاهرة منها، وتقديم كل التسهيلات والمستلزمات لعملية البناء المنشودة بسواعدها وعقولها، دون تمييز فئوي أو عمري أو طبقي، شباب وشابات، كلّهم الآمال معقودةٌ عليهم وهم ما ندّخره لقادمات الأيام.
وتبقى مسؤولية الكلمة الأهمّ والأوسع والأشمل في مختلف مناحي الحياة، لاسيما وأنّ وقعها أشد على الذات والمحيط، لها أبعادها واستنتاجاتها، نبني عليها وتبنينا، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، ومسؤوليتنا تجاهها أعمق من أي مسؤولية أخرى، فالإعلام كلمة، وهي أصل الخبر والحدث، ومختلف الأنواع الصحفية مردّها إليها، تستوجب الأمانة الفكرية في النقل والنسخ والاقتباس وسواه...
إذاً كلّنا مسؤول عن حفظ وصيانة مجتمعاتنا، وتبقى المسؤولية الأكبر والأهم حماية أوطاننا وصونها والذود عن حياضها والاستبسال في الدفاع عنها في وجه أعداء الداخل والخارج، ونسف كلّ ما من شأنه أن يعكّر صفو صباحات وطننا ومساءاتها، لتبقى ضحكات أطفالنا تملأ مشارق الأرض ومغاربها، تزهر من مباسمها الحياة والأمل والغد الموعود، ولتعلو كلمة الحقّ مهما حاول الباطل محوها ونسفها.

ريم جبيلي


طباعة   البريد الإلكتروني