الأنشطة الثقافية... خــطوات باتجــاه إعـــادة إعمـــار البنــاء الثقافـــي

العدد: 9469

الأحد: 17-11-2019

 

 

ضمن إطار فعاليات الأسبوع الثقافي في فرع اتحاد الكتّاب العرب باللاذقية وبمناسبة العيد الذهبي لتأسيس اتحاد الكتّاب العرب أُقيمت ظهرية قصصية شارك فيها مجموعة من الكتّاب القصصيين الذين قدّموا جزءاً من نتاجاتهم القصصية ذات المضامين المتنوّعة المُستقاة من واقع الحياة والمجتمع وهمومه ومشاكله، كلٌّ حسب طريقته وأسلوبه الخاص في الكتابة تبع ذلك جلسة حوارية حول القصص يديرها د. عدنان أحمد مع قراءةٍ نقدية موجزة حول هذه القصص...
الوحدة حضرت الظهرية التي اتسمت بتنوع المضامين والأساليب الكتابية المتبعة وكانت البداية مع القاصة والروائية ربى منصور عضو اتحاد الكتاب العرب صدر لها ست روايات هي (حبة ماس)، (مطاليب الفرح)، (معبر الوشاح)، (هكذا عاد)، (على بالي)، (طبعة جوري) وثلاث مجموعات قصصية (العاصفة الرقمية)، (أقبية النار)، (الوشاح)...
هذا وقد تمثلت مشاركتها في هذا النشاط عبر قصة حملت عنوان: (الوشاح) تتحدث القصة عن فتاةٍ توزعت انفعالاتها بين اتباع الصدق أو الكذب وهي مصابة بعيب جسدي حيث تركها خطيبها بعد أن عرف الحقيقة، وفي أحد الأيام يتبعها شاب ويطلب التعرف بها، وهنا احتارت بين القيم التي تربت عليها ثم في النهاية تخلع الوشاح الذي كانت تغطي به صدرها المشوه، وتخبره الحقيقة قبل أن توافق على لقائه وقد اخترنا من القصة المقطع التالي: بينما كان الضيق يتطاير من نظراتها، مشت جوانا، وهي تفكر باحثة عن أقرب شارع يؤدي إلى المدرسة. هناك في الطريق المنعزل لن ترى أي فضولي يتأمل وجهها، أو يلمح قامتها على نحو مزعج وأين تراها تمشي؟ لتخفي ضيقها البالغ؟ ونظراتها تلمح السماء، وتتوسل الرحمة من الله، تجتاز بوابة الحرم الجامعي المزدحمة بالطلبة، ولا تعيرهم انتباهاً ولو بلمحة. لا شيء يجبرها على الوثب، لكنها تقفز فوق حفرة مليئة بماء المطر، وكأنما تلهو، أو ربما يدفعها الغضب المكبوت لمخالفة المألوف.
المشاركة الثانية للقاصة والروائية أمل حورية عضو اتحاد الكتاب العرب، مدرّسة لغة عربية، لديها مجموعة من القصص والروايات، تمتلك حضوراً مميزاً في اللغة العربية وأسلوباً محبباً في طرح أفكارها ونسج قصصها التي تزخر بالتفاصيل الإنسانية والصور العديدة لمعاناة النفس البشرية العاطفية والوجدانية، نالت العديد من الجوائز كما نشرت في مجلات متنوعة داخل القطر وخارجه وقد عبّرت عن مشاركتها قائلةً: تغمرني السعادة وأنا أرى نفسي فرداً في هذه الأسرة التي أعتز بالانتماء إليها، أسرة القلم والحرف والإبداع، ولأنني آمنت دائماً بأن الكلمة تغيّر العالم.. جعلتها سلاحي... وصوتي.. وأودعت فيها أحلامي وآمالي وجنوني وتعقلي، وأعترف اليوم.. بأنه لولا الكلمات لمتّ كمداً، فهي نفثات الروح وعبق العشق للإنسانية وللوطن. الرحمة لأرواح كل الكتّاب الذين رحلوا مكفنين بكلماتهم والمزيد من التألق والإبداع للكتّاب الذين يحملون مشاعل الخير ويتابعون المسير.
وقد أتت مشاركة القاصة (حورية) عبر (نمنمات وجدانية) التي تشكّل أضواء على حالات إنسانية وجدانية بشكلٍ موجزٍ ومكثف وتقسم إلى عدة نمنمات منها: (شفاه الكلمات) التي تتحدث عن موضة العصر بانتقاء الكلمات الطنانة الخالية من محتواها، وأيضاً نمنمة بعنوان: (الحذاء اللامع) التي تتحدث عن أستاذ لمادة الرياضيات ولا تحترمه زوجته إلا حين يأتي محملاً بالأغراض فيعاني من الاضطهاد وقلة الاحترام وأيضاً هناك نمنمة بعنوان: (مجرمة صغيرة) تتحدث عن طفلة هي ابنة شهيد تعاني مع أسرتها من الفقر بعد استشهاد معيلها. وهناك نمنمات أخرى بعنوان: (جديلتين)، (عواء الرمان)، (الطمع)، (قمر آخر) هي مقتطفات قصيرة تتناسب مع روح العصر الذي يفضل فيه القارئ الوجبة السريعة من القصص الطويلة.
ومن (قمر آخر) اخترنا ما يلي: شعر القمر بالملل وهو يتنقل في أمداء السماء الواسعة، وتمنى لو كان لديه صديق يؤنس وحدته، ويزيل عنه ضجره، وسرعان ما أفزعته هذه الأمنية، فالصديق المؤنس والمبدد للوحشة سرعان ما سيتحول إلى منافسٍ له على الزعامة والسيادة والمنافس سيتحول إلى عدوّ، وسوف يخسر الولاء المطلق للنجمات اللواتي يتهافتن على إرضائه، سيطر الخوف على روحه، فماذا لو كان هناك حقاً قمر آخر في السماء؟. أما المشاركة الأخيرة فهي للقاص والروائي صالح سميا المهتم بقضايا الفلسفة والفكر وهو عضو اتحاد الكتاب العرب الذي يحمل إجازة في الدراسات الفلسفية والاجتماعية له مجموعة من المقالات والزوايا المنشورة في الصحف والمجلات الأدبية المحلية والعربية ومؤلفات عديد نذكر منها: الرجل الذي تحول إلى صحراء، الصمت، نهاية الدروب المغلقة، وقدّم في هذه الظهرية قصة عنوانها (هلوسة) واقتطفنا منها الآتي: يسأل يوسف عن هذا السر الخفي، يبقى الجواب أصم وأخرس والريح غيّرت مسار الغبار ليدخل من النوافذ والأبواب ويغلق الشوارع والعقول... تذكر شيئاً، اكتسى وجهه بشيء من العبوس تحسّس جبينه، حرك أطرافه، تراجع، صرخ بملء فمه، صرخ دون توقف المطر غزير والريح تلعب مزهوة.
هذا وقد تلى ذلك جلسة حواريه وقراءة نقدية للقصص الملقاة قدّمها
د. عدنان أحمد رئيس قسم اللغة العربية بجامعة تشرين وهو عضو اتحاد الكتّاب العرب له سبعة مؤلفات نذكر منهم: (دراسات في الشعر الإسلامي والأموي)، (أزمة الشاعر المخضرم)، (مقالات في شعر الجاهلية وصدر الإسلام)، شارك بندوات في جامعات سورية وخارجها وفي سؤالنا الموجه له حول أهمية مثل هذه النشاطات الثقافية، أجاب: النشاط الثقافي مهم جداً ولا سيما في هذه المرحلة التي تعدّ الخطوات الأولى في مرحلة إعادة الإعمار، فإعادة الإعمار تتطلب إعادة النظر في البناء الثقافي العربي والسوري بشكل خاص لأنه عند التدقيق لا يمكن إلاّ أن نجد أنّ الثقافة كان لها دور فيما جرى، إن ثقافة أصيلة تجعل المجتمع أكثر مناعة في وجه التحديات التي يواجهها وفي هذا الإطار يُنظر لأي نشاط ثقافي جاد وجدّي على أنه لبنة في إعادة بناء الثقافة القادرة على الصمود، والقصة القصيرة فن أدبي راق محتاج إلى كثير من العناية لأهميته ودوره في كشف مشكلات المجتمع واقتراح الحلول لها وبخصوص قراءته للقصص التي قُدمت في هذه الظهرية فقد قال:
استمعنا إلى القصص التي قُدمت من قبل السادة الكتّاب وسأشير إلى بعض القضايا خاصة اللغوية ويمكنني القول في البداية إنّ قصة (هلوسة) للكاتب صالح سميا تطغى عليها الملامح الشعرية ولكنها لا تبتعد عن الواقع وعن الدعوة إلى إعادة النظر في البنية الثقافية إضافة إلى أنّ النصف الأول من القصة كان بلسان الراوي والنصف الثاني ليوسف ونتيجة لذلك التبس الأمر على القارئ علاوة على استخدام اللغة الشعرية التي لا ينبغي أن تتجاوز كمية الملح في الطعام حتى لا يخرج القارئ عن القصة الأساسية وبالتالي على القارئ أن يسعى إلى لملمة الحدث... أما قصة (الوشاح) لربى منصور فهي تعالج مشكلة نفسية اجتماعية ولكنها أكثرت فيها الكاتبة من الاستفهام المكرر بمعنى سؤال بسؤال واحد فاختلط الأمر على القارئ، أما الكاتبة أمل حورية من خلال (نمنمات وجدانية) وهي مجموعة من القصص القصيرة التي تشبه الومضات فقد تناولت حالات تتعلق بالحالة الاجتماعية بالدرجة الأولى.

ندى كمال سلوم


طباعة   البريد الإلكتروني