محمد حسين.. من أول نقطة دم وحتى آخر الحريق.. البحــــث عن جـــــواب!

العدد: 9468

الخميس :14-11-2019


 

في روايته الثانية يقدم الشاعر والصحفي والروائي محمد حسين بعضاً من روحه وعشقه وبواعث نفسه المتعبة والمحلقة كل حين وحين، محمد الجميل يحتفي بالحياة والموت ويقاوم كسيزيف معلناً وجوده الكائن حتى آخر نفس .. وعن دور الأديب في أزمنة القتل والخراب كالتي نمر بها؟
يقول حسين: منذ أول نقطة دم سالت في بلدي الجريح إلى آخر الحريق المستمر وأنا أبحث عن جواب لسؤال ولدي الافتراضي عما فعلته عندما كان بيتنا سورية يحترق؟ منذ قرابة العشر سنوات وأنا أسأل نفسي يوميا ما العمل؟ كي لا أخجل من نظرات ولدي الذي سأورثه وطناً محترقاً مقطع الأوصال.
الآن وبعد أن انتقلت روايتي (للحيطان آذان وذاكرة) في جزئها الأول (الوحل) والثاني (العتق) من حالتها الافتراضية الذهنية إلى واقعية من ورق وحبر، الآن أستطيع النظر في عيني ولدي قائلاً: لقد فعلتها وكتبت رواية..

 

فيما يعيد حسين السؤال للجميع: ما الذي فعلتموه عندما كان بلدكم يحترق؟!
نتوقف عند إنتاجات حسين المطبوعة من مجموعة شعرية ونسأل لماذا الآن وكيف انتقلت من الشعر إلى الرواية؟
فيجيب: لم أكن قد وقعت في غواية السرد بعد، حين عدت من عتبة الشعر، معفّراً بتراب الصور وغبار القوافي، مجللاً بخيبة الصمت المريب بدأت رحلة الموت البطيء في مدينة تفتقد طقوس الفرح وهي تنام باكراً على أمل أن تصحو وقد أصبحت جزيرة تجاور أمّها أرواد.
وعن كتابة الرواية يقول محمد حسين في هدأة ٍ، بين موجتين من سعال ماجن، أسأل نفسي (ما الذي يُبقيك، يا محمد؟) لا أعرف كم من الثواني تبقّى لي ولا أعرف كم الدقائق يلزمني لكتابة رواية، لكني أعرف أن ساعةً تكفيني لأولم لبنات أفكاري المصابات بالسرطان، ربّة إلهامي، التي صنعتها من تمر اللعنة وربما سأجد بعض الوقت لأدخن سيجارة مدكوكة بالحشيش على مشارف النفس الأخير .. في هدأة الروح، لا صوت يعلو فوق صوت القلبْ.. وفي الطريق إلى (العتق)..
لم أكن على دراية كافية أن بركان أسئلتي لابد سينفجر، مُطلقاً حِمم وروده في فضاء الأرواح التي تتلبّسني بين الحين والآخر، فبدأت أسأل الحيطان وأستمع إليها وخضت حافياً في وحل الذاكرة الأرعن، متقمّصاً جسد عاشق تارة وتارة أدور كمولوي يبحث عن المعنى في بحّة ناي من قصب الموجوعين.
وفي دوّامة العتق المقدّس، تتبعت مسيل الدم الذي جرى ويجري في بلدي، مسحت آهات المتعبين وبلسمت كالأنبياء جراح المعذبين، رافعاً راية مظلوميتهم الملطخة بالدماء. وفي الوحل كما في العتق وحتى في ثالثة الأثافي القادمة، حين تكتمل ثلاثية الغبار، لا أنتظر المديح أو الثناء وكل ما أطلبه، هو أن تصيخوا السمع لأنين الكلمات فربما في السمع عبادة.
أما صديق دربه أحمد م أحمد المترجم وصاحب دار أرواد للنشر فيقول عن الروائي: للوهلة الأولى تبدو كتابةُ محمد من الخارج مثل تدخينه، نزقةً، وقلِقة، ثم لا يلبث الصوتُ ‏العميقُ أن يهمسَ من جنبات النصّ، ليتفصّدَ أملاً وقهراً ومليونَ نهرٍ مما حفلتْ به ذاكرته الثّرّةَ العميقة. ففي ‏كتابته، شعراً ورواية ومسرحاً، فإنّ محمد- هو- هو/ ذاتُه بكلّ ما فيها. وإذا استعدتُ عبارةَ (فرانسيس ‏بيكون): (إنّ أيَّ فنان لا يكتب إلا تاريخ حياته)، فسأصلُ إلى القولِ إنه، بعد الحربِ، قد دوّنَ نفسَه، ‏وتلك هي ما يسميها الآخرون (حداثة)، تلك الكلمة التي باتت مُضحكة، إذ توصّلنا، هو وأنا، إلى ما ‏معناه أنّ كلّ من يوغلُ ويدوِّن أعماقه بجرأة وأمانة ويستنسخ الـ ‏DNA‏ الخاص به، هو المبدعُ الحقّ، فالمجدُ، ‏كلّ المجدِ، للذات وحدها لا شريك لها.‏. فيما أختم بالقراءة التي قدمها الأديب الدكتور نضال الصالح عن الرواية : من (الوحل) إلى (العتق)، يمضي محمد حسين متتبعاً في ثنائيته الروائية (للحيطان آذان وذاكرة)، على نحو غير مباشر، تاريخ الدم منذ هابيل وقابيل، ومقوّضاً الحدّ الزائف بين الواقع والمتخيّل، وبين التقمّص بوصفه عقيدة والحكاية بوصفها حقيقة.
هذه الثنائية الروائية واحدة من أبهى ما قرأت في المدوّنة السردية السورية المعنية بالجحيم السوري، ثنائية باذخة مرجعاً حكائياً ودلالة، بل دلالات، صاغتها مخيّلة شاعر مضى إلى الرواية لينجز في مجالها عملين جديرين بالقراءة والبقاء في الذاكرة طويلاً، وليضع القارئ أمام سؤال بحجم الجحيم نفسه: متى يكفّ نهر الدم عن تدفّقه المتتابع منذ قرون؟

رنا الحمدان


طباعة   البريد الإلكتروني