الواقـــع الحـــالي للأغنيــة الســــورية بأعـــين كبـــار صانعيها في الماضي

العدد: 9444

الخميس:10-10-2019


وصلت الأغنية السورية في حقبة من الزمان لمراتب عالية عربياً وعالمياً، وحققت شهرة وصيتاً لا يمكن أن يُمحى من سجلات الفن وذاكرته، نشر السوريون إبداعهم ليصل أصقاع الأرض.

فكان للأغنية السورية عمالقتها في الكلمة, واللحن، والأصوات النادرة التي قد لا تتكرر، وإن تكرّر الصوت، فيستحيل أن تتكّرر معه الألحان الأصيلة والكلمة المبدعة، صدّر السوريون عناصر الأغنية النموذجية لكبار كانوا يأتونهم من كل حدب وصوب، واليوم مع دخول الأغنية عصراً جديداً، نتساءل: هل مازال للأغنية السورية موقعها الفريد الذي كانت عليه في الماضي؟ ومن أفضل من الباحث والمؤلف الموسيقي الأستاذ زياد عجّان صاحب الـ /160/ قصيدة ملّحنة بالفصحى، و/200/ أغنية زجلية لشعراء سوريين وصاحب /900/ معزوفة ألفها كإرث موسيقي إنساني، وموّجه الموسيقا الأول في اللاذقية الواضع لمنهاج تدريسي موسيقي للمرحلة الثانوية المهنية الموسيقية التي يُعمل عليها كمشروع ليرى النور قريباً.
والباحث الأستاذ فايز فضّول الذي لحّن /200/ أغنية سوريّة و47 نشيداً والمؤرشف بمكتبه لنتاجات الأغنية السورية والعربية منذ عام /1905/ ليكون صاحب مكتبة غنائية عربية وسورية، ومن أبرز من لحنّ لهم الفنانة الكبيرة نور الهدى، والفنان المبدع إلياس كرم فماذا قال الباحثان عجّان وفضّول عن واقع الأغنية السورية اليوم؟
الأستاذ زياد عجّان: كان العصر الذهبي للأغنية السورية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، كما هناك ملحنون كبار كنجيب السراج وهناك معهد باسمه في حماة، والملحن محمد عبد الكريم ملك البزق ملحن أغنية (خفّة دمّك وسمارك) وهناك معهد باسمه في حمص.
أيضاً من الملحنين الكبار زكي محمد، ومحمد محسن كان ملحناً ليس فقط على مستوى الوطن العربي وتوفي عام 2007، لحن لعمالقة الفن كنور الهدى، سعاد محمد, نصري شمس الدين, وديع الصافي، فيروز، وردة الجزائرية محرّم فؤاد، محمد عبدو، طلال المدّاح، فهد بلان وكان هو عملاقاً في التلحين سعى المطربون الكبار نحوه.
وأما من ناحية الكلمة والقصائد كانت أيضاً الأغنية عالية المستوى جداً فمن شاعرنا الكبير بدوي الجبل، إلى كمال فوزي الشرابي الشامي صاحب قصائد الفصحى، كانت الأغنية السورية تضاهي الأغنية المصرية بمستوى السنباطي، هناك مصطفى هلال الذي اهتم بالتراث السوري وصباح فخري عميد التراث الحلبي، وهناك عمر البطش ملحن الموشحات من حلب على مستوى الوطن العربي أيضاً.
في سورية كان كميل شمبير أول عازف بيانو في الوطن العربي خريج كونسير فاتوار روما، وأول ملحن أوبريت في الوطن العربي, حتى أن سيّد درويش تأثر به وبأسلوبه، وهناك رتيبة الخفي مغنية الأوبرا السورية، والتي قالت: كلّ موسيقا مصر مأخوذة من بلاد الشام وحلب حصراً.
جميل عويس أول مدوّن (منوّت) موسيقي في مصر كان يدوّن أعمال عبد الوهاب وسيد درويش وقائد فرقة عبد الوهاب، وأدخل آلات جديدة للأوركسترا وهو سوري.
سهيل عرفة لحن لكبار الفنانين كالشحرورة صباح، أحمد أبو خليل القباني أبو المسرح الغنائي في الوطن العربي، سامي الشوّا، أسمهان، فريد الأطرش، نجاة الصغيرة، فايزة أحمد، ميّادة الحناوي، والقائمة تطول وكل ما ذكر ما هو إلا غيض من فيض، وكل اسم مما ذكر، وهناك بالطبع أسماء لم تذكر لضيق المساحة، يبدأ الحديث عن إنجازاتهم ولا ينتهي للأثر والسمعة الأسطورية اللامحدودة التي طبعوا بها الأغنية السورية التي عبرت الإقليم وكانت على مستوى عالمي.
كل هذا من دون أن ننسى، أول تدوين موسيقي في أوغاريت من /4000/ أربعة آلاف سنة، وعندما نصل للحديث عن واقع الأغنية السورية اليوم؟ فهو محزن يكفي أن أذكر كيف كنا؟ ومعروف كيف أصبحنا؟
قد تكون هناك أصوات جميلة ولكن للأسف لا ملحنين، ولا كلمة الألحان جملة مخطوفة من هنا وجملة من هناك، والكلمة ليست بأفضل حال من هذه الألحان المتدنية المستوى، واقع الأغنية السورية اليوم والعربية أيضاً محزن وهابط، ويفترض أن تشكل لجنة رقابة على الكلمة واللحن، وإن كان الجواب أنه توجد لجنة فيجب وضع لجان مراقبة على هذه اللجنة، تستحق الأغنية السورية أن نعيد لها ألقها.
الأستاذ فايز فضوّل: الأغنية السورية معروفة منذ قديم الزمان، وازدهر الغناء في أحضان الديانات القديمة، فكانت هناك ابتهالاتٌ دينية، كما كان هناك أغانٍ قومية تنشدها المجموعة.
وهناك علاقة بين الشعر والأغنية، فالشعر له أوزانٌ موسيقية، لذلك نسمعهم يقولون (أنشد الشاعر قصيدته)، وازدهرت الأغنية في العصر العباسي، واشتهر من المطربين إبراهيم الموصلي وابنه اسحق الموصلي، وزرياب، وألّف الأصفهاني كتاب (الأغاني).
الأغنية السورية إما تكون قصيدة بالفصحى أو بالعاميّة، ولها أنواع معروفة وهي القصيدة، المونولوج، الديالوج، الطقطوقة، الموال، الاسكتش، الشعبية الأوبريت،
أما عناصر الأغنية فهي، الكلام، اللحن الأساسي والألحان المتوافقة معه، صوت المغّني أو المغّنين، والآلات الموسيقية التي تؤدي اللحن وفق توزيع معلوم.
ومرّت الأيام والسنون وعاصر من خلالها المطربون السوريون الأغاني والموسيقا السورية، لدرجة أصبحت معها أغانينا السورية مدرسة قائمة بحدّ ذاتها، ومطربونا اهتزت لأصواتهم القلوب، وملحنون اهتزت لألحانهم المشاعر في كل جانب أمثال رفيق شكري الذي غنّى (بالفلا جمّال ساري، وغيبي يا شمس غيبي)، وصابر الصفح الذي غنّى (جَنّ الهوى بكير، يا غزالاً)، ونجيب السّراج الذي غنّى (فوق النخل يا سليمة) وأما أغنية سليمى الشهيرة التي كتبها الشاعر السوري نوفل الياس وغنتها المطربة السورية زكية حمدان الكثير الكثير تغنى في سورية وتلحن وخاصة في اللاذقية.
وكان تخزين الأغاني السورية فلكلوراً زاهياً لا غبار عليه وبالرغم من أن بعض الأغاني كانت عفوية، لكن تراث اللاذقية - سورية أثبت للعالم الرقي والازدهار.
أما بالنسبة للأغنية السورية في عصرنا الحالي هناك ضعف بالكلمة واللحن وهذا الأخير إما منسوخ أو مُقتَبِسْ أو مسروق، لا تُقَارَنْ ولا من حيث باقي العناصر، إن كان على مستوى الكلمة المكتوبة، أو اللحن، وحتى المقدرات الصوتية، ولسنا هنا بقصد الإساءة، وإنما بالفعل لا مجال للمقارنة مع أصالة الماضي.
لا ننكر أنّ اليوم تعج الساحة الغنائية السورية بأصوات جميلة بمعنى أنّه يوجد أصوات جيدة ولكن الأغنية السورية بصنف واحد وموسيقا واحدة وكأن الأغاني كلها متشابهة وبلون واحد، باستثناء البعض القليل الذين يحترمون الكلمة واللحن، موسيقا اليوم الكترونية فنرى المؤثرات الصوتية تصنع العجائب مهما كان الصوت سيئاً، الأصوات متشابهة مع بعضها والموسيقا متداخلة لتجميل الصوت، حتى الكلمة اليوم لا معنى لها أو مضحكة أحياناً ومعيبة أحياناً، أغلب الأغاني تسمع فيها الصوت النحاسي عالٍ جداً لإخفاء عيوب الصوت.
أصوات اليوم غير مثقفة ثقافة كاملة أو كافية وراقية، ودون دراسة وثقافتها سطحية من تجارب حفلات يومية، حال الأغنية السورية اليوم لا يسّرْ.
هناك أغان محترمة الكلمة واللحن، أغلبها أغانٍ من التراث يحاول البعض إحياءها بصوتهم أو من الفلكلور يحاولون تطويرها من دون تشويهها، ولكنهم مهما نجحوا، هم ليسوا على سويّة فنان الماضي.
كل العناصر في الماضي مختلفة كما ذكرنا من ناحية الكلمة، اللحن، الصوت، هل تُقارنْ أهم وأشهر أغنية اليوم مثلاً مع أغنية (سليمى) للشاعر نوفل الياس؟ أو (ظبية الأنس) التي كتبها المطران أبيفانيوس زايد ولحنّها متري المرّ؟ الكلّ اليوم يغني على الطريقة ذاتها وإلا يفشلون، وكل ما ينقص الصوت يمكن التغلب عليه بالمؤثرات الصوتية، لا تقدر أن تميز بين صوت وآخر.
أرشفت الأغنية السورية في عام /1905/ ولغاية اليوم وفي أرشيفي جميع إنتاجات الأغنية العربية أيضاً (مصر، لبنان، الأردن، الخليج).
ويستطيع كل من يريد السؤال عن أيّة أغنية أن يجدها في مكتبتي، لا زال هناك ملحن سوري جيد، وشاعر جيد، ولكن يبدو أن هؤلاء لا سوق عندهم أو باتوا غير مرغوبين أو مطلوبين في سوق الأغنية السورية اليوم.

مهى الشريقي


طباعة   البريد الإلكتروني