الأدب الفارسي وأثــــره على الأدب العـــــربي

العدد: 9442

الثلاثاء-8-10-2019

 



ضمن سلسلة الندوات والمحاضرات الثقافية وتحت عنوان (السبت الثقافي) أقام المركز الثقافي الإيراني في اللاذقية ندوة بعنوان (الأدب الفارسي وأثره على الأدب العربي)، شارك فيها مجموعة متميزة من الأدباء الباحثين وكانت كلمة البداية للسيد حسين الحسيني مدير المركز الثقافي والملحق الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية رحب فيها بالحضور الكريم، وأشار إلى عمق العلاقات الأخوية المشتركة بين العرب والإيرانيين في إطار الجوار الجغرافي والمصالح المشتركة وعرض كيف جاء الإسلام ليعلن عن ولادة أمة ترفض كل تمايز في عنصر أو لون أو لغة أو إقليم فحدث التفاعل الكبير بين ثقافات المسلمين داخلياً وخارجياً وعرض أسماء أهم الأدباء الفارسيين وأولهم الرودكي الذي يلقب بأبي الشعر الفارسي وفريد العطار وجلال الدين الرومي وسعد الشيرازي وعمر الخيام وغيرهم، وأشار إلى أن تراث الفرس الأدبي هو تراث شعري في المقام الأول وأثر الأدب العربي فيه عظيم الأثر،
وكيف أن الأدب العربي والفارسي امتزج امتزاجاً تاماً كسعدي الشيرازي الشاعر الكبير الذي تأثر بالمتنبي وبرأيه لا يوجد أديب فارسي لم يتأثر بالأدب العربي بدليل وجود مفردات عربية كثيرة مستعملة لدى الشاعر الإيراني الذي يكتب بالفارسية.
وأكثر الحقب التي أثرت هي العصر العباسي بشكل خاص هذا العصر الذي شكل ذروة الامتزاج بين الأدبين، ولا تزال حركة الترجمة الأدبية من العربية للفارسية بمستوى جيد حتى في الوقت الراهن، فهناك اهتمام بترجمة النصوص العربية القديمة أو المعاصرة، فحركة الترجمة مستمرة بقوة في الجامعات بشكل خاص، ففي جامعة طهران مثلاً يوجد قسم الترجمة في كليات اللغة العربية، وهو ما زاد من عدد الأطروحات التي أنتجت كتباً أدبية عربية مترجمة وبالأصل فإن الدواوين الشعرية العربية مترجمة ومتوفرة بشكل كبير مثل دواوين المتنبي والبحتري وأبي نواس، وبهذه الإضاءة عن أثر الأدب الفارسي في الأدب العربي ختم السيد حسين الحسيني كلمته وفتح المجال للباحثين لإلقاء مداخلاتهم القيمة وكانت الوقفة الأولى مع الدكتور وفيق سليطين الدكتور في قسم اللغة العربية، جامعة تشرين حيث دار بحثه حول التوظيف الصوفي لرمزية الناي انطلاقاً من تراث الشعر الفارسي وتوقف عند قصيدة جلال الدين الرومي التي تتخذ من الناي عنواناً لها، ثم يتبع انسراب هذا المكون الأصلي من سياق الشعر الصوفي الى تجارب من الشعر العربي الحديث، فيعمل على رصد طرائق الاستدعاء التناصي بين النصوص الحادثة والنص المرجعي ويخلص إلى تحديد فروق الاستخدام بالمؤالفة والمخالفة ومن ثم إلى تأويلها في ضوء هذا السياق الخاص لتوظيف الناي، وينتهي من بعد إلى بناء النتائج المترتبة على عمليات الاستقدام والتعديل والحوار المنعقد بين النصوص في التجارب المختلفة, وقام البحث على منهج التحليل اللغوي واستهدى بالمعطيات اللسانية في التحليل وفحص التكوين اللغوي، وتأطير العلاقات النصية الخاصة ببناء رمزية الناي.
وفي ختام البحث لفت إلى استلهام الثقافات بعضها لبعض، على النحو الذي يعمق وحدة التجربة استناداً إلى جذور ومكونات أصلية تلتقي عليها وتعيد إنتاجها نوعياً في مجرى حركة التحول التاريخي من جهة وفي ضوء التمايز الخصوصي للثقافات القومية من جهة أخرى.
وكشف بحث الدكتور وفيق سليطين عن نمط الاستخدام الأصلي لتوظيف الناي في الشعر الصوفي الفارسي، وذهب إلى تتبع أثره في نصوص من الشعر العربي الحديث والمعاصر.


أما الوقفة الثانية كانت مع الباحث الدكتور عدنان بيلونة، وتحدث عن تأثير الأدب الفارسي في الأدب العربي ابن المقفع نموذجاً، وعرض بداية العبقرية الإيرانية على مختلف الصعد والميادين العلمية والأدبية والفلسفية وكيف أن عدداً كبيراً منهم برع بالكتابة باللغة العربية علماً وأدباً وكيف اقترب الأدبان الفارسي والعربي من بعضهما لدرجة صعوبة التفرقة بينهما، ثم أشار الباحث إلى النفوذ الفارسي في دولة بني العباس وأثره في تحديد طبيعة العلاقات الثقافية بين الشعبين، حيث كانت الكتب التي موضوعها السياسية الملوكية عند الفرس أولى الكتب التي ترجمت بالعربية، فكانت الوصايا السياسية والاجتماعية في طليعة الكتب الفارسية التي تناولتها أقلام المترجمين بالنقل والتعريب وعلى رأسهم ابن المقفع الذي عرض الباحث حياته وأهم أعماله وأثره في الأدب العربي وكتابه كليلة ودمنة وكتاب الأدب الصغير والأدب الكبير، وفصل في الحديث عن هذه النتاجات الأدبية الكبيرة والهامة لابن المقفع ليستعرض في ختام بحثه بعض آراء المفكرين الكبار من العرب في ابن المقفع فيقول المفكر محمد كردعلي: في النطاق التربوي والتهذيب يتجلى ابن المقفع مصلحاً صفياً إلى أبعد مدى بوضع قواعد للسلوك الاجتماعي بحيث تتيح للمرء أن يدخل رحاب الحضارة من أبوابها الواسعة وتجعله إنساناً متمدناً.. وأشار الباحث ختاماً إلى تماهي وذوبان الأدب الفارسي والأدب العربي فتنتج أدباً إسلامياً شرقياً له خصوصيته التاريخية والأدبية.
أما الوقفة الأخيرة كانت مع الدكتورة الباحثة رنا جوني التي تحدثت متأملة في رباعيات الخيام وكانت نموذجاً لبحثها الذي عرضت فيه العمل الأدبي المبدع بطاقته الوهاجة وكيف أن العمل الأدبي يملك القدرة عن الجوهر الأخلاقي السامي في النفس وكيف أن هذه القدرة تخوض غمار الأفكار والمشاعر المنبعثة من محفزات عقلية وروحانية غير أنها تحتاج إلى التقصي والتفكر والتأمل في عملية التفاعل التي يقيمها الطرف المتلقي لهذا العمل الأدبي وأسهبت الدكتورة رنا في التأمل في رباعيات الخيام وبينت كيف أنها متفاوتة المضمون والبناء وأنها تجمع بين النزوع العقلي والشعور النفسي الرصين، وبينت أن اللغة العربية لم تكن بمنأى عن التأثير الوقاد العميق للخيام ولرباعياته، إذ احتفى العرب احتفاء مهيباً شغوفاً وأحاطوه بكثير من الرفعة والتقدير وتفكروا برباعياته تفكراً متأملاً وكيف أن هذه الرباعيات نالت الشهرة والمكانة والعناية حداً يفوق ما نالته من أدباء الغرب أو أدباء الفرس لتخلص إلى القول إن الحقيقة الكبرى في رباعيات الخيام متجلية بارتباطها بقيم روحانية ومعرفية، ولا يمكن لتاريخ الأدب الإنساني إغفال النقل المعرفي والأخلاقي السامي الذي تكثره رباعيات الخيام وستبقى على الدوام حية تحفز الأجيال الإنسانية على التأمل والتفكر وتفتح آفاقاً معرفية واسعة تشرق فيها الأفكار والمعاني، تغني المدارك وتشبع الروح بفيضها الوجداني المخضب.

رواد حسن


طباعة   البريد الإلكتروني