إلى أين نمضي؟ إلى أين نمضي؟

العدد: 9429

الخميس:19-9-2019

ها هو الخريف على الأبواب بعد أنْ لملم الصّيف أيّامه المبعثرة بين الشط والبحر والجبل وبين مدينة هنا وقرية هناك بين سهر مع الأصحاب ورحلة مع الرفقاء, ومع مغادرته بحرّه وقيظه, بسهره ونسائمه الحارة حيناً والعليلة ليلاً حيناً آخر, وقدوم الخريف حيث الفصل الذي يجعل الألوان الطبيعية مختلفة بعض الشيء فلا الأخضر بباقٍ على خضاره ولا الأبيض مستمرّ ببياضه النّاصع بل إنّه يُكسب هذا وذاك من الألوان بعض صُفرةٍ نراها جليّة هنا وهناك وكما يفرش الطرقات بوريقات الأشجار التي تزيد الفصل جمالاً وروعةً لاسيّما بلونها الأصفر المختلط بألوان أخرى.

هي حال الإنسان وقد ودّع مرحلة من عمره قد لا تعود وحتماً الأيام بزمانها لن تعود وإن عادت بعض عمومياتها وبعض شكلياتها إلاّ أنّها بالتأكيد لن تعود بتفاصيلها وجزئياتها فكيف لنا أن نعيش الماضي في الحاضر أو نجدّده ونحمله إلى المستقبل؟ نعم هو السؤال المطروح من الإنسان على أخيه الإنسان وقبله على نفسه التي تَاقَتِ الحياةَ وأحبّتها فسَعَتْ إلى تجديدها وهيكلتها من جديد والعمل على البناء القادر على الاستمرار ما بقي الإنسان حيّاً في الضمائر والوجدان.
أيّها الحزن الأليم والألم الموجع حيث الأنين أما زلتَ مُصرّاً أن تُقيم في أفئدتنا وتتجلّى علائمك على وجوهنا وفي ملابسنا لك وجودٌ وحضورٌ؟ أيّها الهمّ المرافق لنا في صحونا ونومنا أما زلتَ مُصرّاً على مرافقتنا وملاحقتنا حتى بتنا نجدك منتظراً لنا في زوايا نهرب منك إليها فنجدك فيها تنتظرنا وتلقانا؟
لكنّكِ أيّتها الحياة التي كانت بنا, ما أجملك وما أحلاكِ وأنت تُصرّين على أنّنا أسباب الوجود وعلّته وبأنّنا غاية الخلق والخالق على السواء !, فما أحلاه أن يعيش المرء حياته وقد غلّفها بالمحبّة والمودّة وابتعد عن الدناءة والختالة ! وما أطيب مذاقها عندما نتبادل أطراف الحديث مع الذين يحملون لنا في قلوبهم الخير والسعادة متمنّين التوفيق لنا بعد تمنّيه لهم, نعم هي الحياة التي لا تحلو إلا بعد المرّ, وكم هو جميل أن نجد من يمسح عن جفوننا الدمعات المالحة بيدٍ تسقينا الحبّ والوفاء وتبثّ فينا الأمل وتعيدنا إلى أنّ الوفاء بين الناس مازال موجوداً وأنّ الحبّ أساس الحياة التي لن نحياها إلاّ به ولذا أيّها القلب النابض بالحياة أما سألتَ نفسك بعد أن نسيتَ ما تنبض به إلى أين أمضي..؟

نعيم علي ميا 


طباعة   البريد الإلكتروني