وُحـْشةُ الزّمان وغُربةُ المكان

العدد: 9406

 الأحد-18-8-2019

 

 

عصيبةٌ هي الأوقات التي يعيشها الإنسان وقد ألفى نفسَه في وحدةٍ وغربةٍ قاسيتين لا يؤنسه فيهما شيءٌ وقد كان يمتلك كلّ أدوات المؤانسة والإمتاع على اختلافها وتعدّدها وأهمّها, ولعلّ أهمّها على الإطلاق هو الإنسان لأنّه مؤنسٌ أخاه الإنسان في الحَلّ والتّرحال, وفي مختلف مراحل عمره . إنّ الإنسان بحاجة دوماً إلى أخيه الإنسان الذي هو مصدر قوّته وسعادته, بل إنّه فوق هذا وذاك السّبب الرّئيس للحياة لأنّه محورها وهدفها, لأنّه منطلقها ونهايتها, فلا يُمكن أنْ نتصوّر الحياة بلا أُناسٍ نتبادل معهم أطراف الحديث ونشكو إليهم همومنا ويشاركوننا أفراحنا على مختلف درجات الفرح. ولأنّ الخالق عزّ وعَلا قد هيّأ للإنسان كلّ أسباب الحياة السّعيدة بدءاً من الإنسان ومروراً به إلى أنْ ننتهي إلى الإنسان. وهذا هو الخالق قد جعل الإنسان هدف الرّسالة الإلهيّة, فكيف لنا أنْ نُنكر على أنفسنا أهميّتها وضرورة العمل على تنفيذ مضمون الرّسالة بدءاً من إيصالها وانتهاءً بالعمل بمضمونها؟ فهل يُعقل أنْ يعيش الإنسان وحيداً وقد امتلأتِ الأرض بأسباب الحياة ؟ وهل لهذا الإنسان أنْ يُفكّر بأنْ يعيش فقط دون أنْ يتفكّر في طُرق الحياة وسُبلِها التي تتعدّد وتتفرّع في ضروب شتّى, لأنّ الحياة تبقى ناقصة غير مكتملة, بل إنّها تبقى بلا معنى ما لم يتوّجها الإنسان الموجود في الزّمان والمكان, هذا الزّمان الذي ما كان في يومٍ من الأيّام إلاّ إرثاً من الأجداد وعلينا أنْ نُحافظ على الجميل منه وفيه, ونطوّره ليكون في القادم أجمل وأبقى؟ كما أنّه (الإرث) يحمل بعض الحمولات الثّقيلة التي ما عادت تتناسب وأيّامَنا هذه بل تشكّل عبئاً على الفكر المتجدّد , لذا ومن هذا المنطلق, أي منطلق الحياة وتجدّد وتجديد الحياة علينا أنْ نؤمن بأنّ الحياة لا تكتمل إلا بوجودنا نحن الذين يسعون إلى الاستمرار ومن بعده إلى الخلود والبقاء بعيداً عن الفناء الماديّ فكلّنا فانٍ مادّيّاً, وبمقدورنا أنْ نبقى معنويّاً, وبإمكاننا أنْ نبتعد عن هذه الوحشة التي يتسبّبها التّفرّد والانعزال عن الإنسان سواء في الزّمان أم في المكان فنعيش وحْشة الزّمان وغُربة المكان.

نعيم علي ميّا


طباعة   البريد الإلكتروني