القصــــة القصـــيرة جـــداً في إشـــــكالية القبول والرفض

العدد: 9406

 الأحد-18-8-2019

 



اللغة وصل وصلة وجدتها البشرية باكراً في حاجة ماسة للتواصل الذي هو عماد الحياة ونسغها، ورغم تعدد الألسنة واختلاف طرائق التعبير بأشكالها المختلفة، بقي الحسّ الإنساني هو مصدر هذه اللغة وقوامها الأصيل لتسطر لنا هذه اللغة رحلة إنسانية ملونة الملامح والصور والأشكال والتعابير الأشكال اللغوية الأدبية هي جانب مهم إن لم تكن هي الأهم في هذه المنتجات التي عكست وعبرت عن مكنونات الروح وتنوعت في هياكلها الثقافية لتتأطر ضمن العديد من المدارس الفنية الأدبية وليصطف العديد من المبدعين تحت كل لواء منها, ورغم أن هذا التعدد له صبغات وقواعد وقوائم مشتركة جعل من الأمم جميعها تتقارب في هياكل جعل منها هوية ذات أسماء وصفات محددة ومنها الشعر والنثر والقصة والرواية وتعدد الطرح فيها من زواياه المختلفة. ومع كل عصر وما تصبغه مجموعة من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية التي عكست صورة الأدب بحقيقته، كان للزمن فعله وتأثيره أيضاً على تحولات طرأت على هذه الأجناس الأدبية، فطالتْ أو قصرت أو تغيرت فيها بعض أو جلّ الملامح بتطور يناسب لغة التواصل وأدائها في عصرنا الذي يتسم بالسرعة في كل شيء انتشر في هذه الفترة المعاصرة شكل أدبي ونوع سردي بحد ذاته ينتمي إلى أدب القصة، هي الومضة التي تختصر كل مواصفات القصة, سمي هذا النوع بأدب القصة القصيرة جداً وهو جنس أدبي قديم حديث في آن، يتراوح حجمها بين السطر وعدة أسطر قليلة والصحيح أنها منذ نشأتها إلى اليوم مثار للخلاف بين قبول ورفض حيث أثيرت حولها جدلية بين قبول ورفض شأنها شأن كل جنس أدبي مستحدث في وقته، فتقاذفت الاتهامات بين الرافضين والمؤيدين من النقاد والأدباء والمتابعين , فالرافضون الذين يأخذون عليها بأنها فنٌّ لم تتخذ مشروعيتها بعد، وهي تخريب لجنس القصة ويجب استئصال هذا الجنس الأدبي ويجب عدم النظر والاهتمام لمن يكتبه, بينما أقر المؤيدون بشرعية هذا الجنس الأدبي وحق الكاتب في أن يكتب هذا النص الأدبي الذي يحمل الكثير من اللقطات الجميلة، والقصة القصيرة جداً هي كشامة جميلة تزين وجه القصة والأدب عموماً، وعقدت الندوات وكتبت عديد وعديد من المقالات في شأن هذا القص الأدبي باعتبارها جنس أدبي ينطبق عليه الكثير مما ينطبق على القصة العادية، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقصة القصيرة, وهي جنس أدبي له حضوره على المنابر والساحات الأدبية وخصوصيته وطباعة العديد والعديد من نتاجاتها الأدبية ما هو إلا دليل على قيمة أدبية وجمالية كتب بها أسماء لامعة ومبتدئة، هذا النوع يحمل نوع من الصعوبة في خلق الصورة القصة والقصة الصورة، فالقصة القصيرة تحمل حدثاً أو رؤية أو مقولة ضمن أو لمجموعة من الصور التي تتباين في خلقها أما القصة القصيرة جداً فهي تكثيف قوي للألفاظ وجمعها وترتيبها لتصيب الصورة في الصميم، فهي تجمع بين التكثيف والمفارقة والإدهاش واستخدام الرمز والإيحاء والتلميح في أغلبها مع اختيار عنوان للنص أو للخاتمة يدخل ضمن جدلية النص، الأمر الذي جعلها تتنوع حتى في تسميتها فقد أطلق عليها الأدباء العديد من التسميات مثل (القصة القصيرة جداً، لوحات قصصية، ومضات قصصية، مقطوعات قصيرة، بورتريهات، مقاطع قصصية، مشاهد قصصية، فن الأقصوصة، القصة القصيرة الخاطرة، القصة القصيرة الشاعرية) ويعدّ مسمى القصة القصيرة جداً ( ق.ق.ج) من أفضل التسميات، وصارت تعرف بأنها تجمع في هذا الجنس الأدبي قصر الحجم والتوجه القصصي وتتنوع بين بلاغة و شاعرية ولوحة تشكيلية لتتنوع في أشكالها أيضاً، فهناك القصة الرومانسية والقصة الواقعية والقصة الرمزية والقصة الأسطورية و ....إلخ. وضمن إشكاليةٍ بين قبول ورفض يبقى حضور القصة القصيرة جداً (ق،ق،ج ) هو الفاصل في الحكم وخاصة بعد انتشارها عالمياً وكثرة الأسماء التي حملتها والنشاطات التي تحتويها ومقدار حجم إصداراتها ينبئ بأن هذا النوع سوف يستمر وسوف يأخذ مكانه الطبيعي بين الأجناس الأدبية بحضور فاعل ومؤثر، وسيكون له دور هام في الأدب، يساعد في هذا حجمها القصير الذي لا يشكل عائقاً تجاه أي مهتم أو قارئ زائر حتى، وخاصة أن مقولة الأدب دائماً وعبر العصور بأنها البلاغة والإيجاز. في سورية القصة القصيرة جداً ( ق.ق.ج) لها حضور قوي ومهم مع أقلام مبدعيها على الساحة الأدبية العربية والعالمية، خلق حالة أدبية خاصة جميلة, وصار لها المنتديات والملتقيات وانطوى تحت لوائها الكثير من الكتّاب المبدعين والمتابعين وصارت تحمل نوعاً من التنافس والتلاقي لخلق أجمل الصور، الصورة التي هي الهاجس والشغف الأول لترجمة الحياة.

سلمى حلوم 

 


طباعة   البريد الإلكتروني