هـــــــل نجـــــــد الحــــكمة في «هــــراديب الريحـــــــــان»

العدد: 9406

 الأحد-18-8-2019

 


(الهراديبية) ملتقى فكري وثقافي واجتماعي يجمع شرائح عمرية عدة وفئات ثقافية مختلفة، فما بين الناقد المتخصص واليافع الموهوب تجد القاص والشاعر والصحفي ومن مدن وبلدان مختلفة، يلتقون في عالم افتراضي فيدفعهم الشغف إلى اللقاء على أرض الواقع في جلسات وحوارات ورحلات يتبادلون خلالها كنوزهم المعرفية والفكرية والإنسانية.
لنعرف عن هذا الملتقى أكثر توجهنا إلى قرية (هراديب الريحان) لنلتقي الدكتور الناقد زهير سعود ولنخوض معاً في أوجاع وأحلام الكلمة العربية في هذا الزمن.

* كيف نشأت فكرة الهراديبية؟
ولدت الهراديبية مع بداية الهجمة الشرسة على سورية، حيث لا يغفر التاريخ صمت المثقف على ما يحدث أمام ناظريه من قتل وتخريب بحجج غربية ساقت ما دعي عسفاً وظلماً بالربيع العربي، حملت الحكمة الهراديبية بعض القيم الأخلاقية والاجتماعية والوطنية، وكانت أول أنشطتي الأدبية التي رافقت الأزمة، والحكمة الهراديبية نموذج جديد لإطلاق الحكمة، يقوم على المقارنة مع حكم عالمية وعربية للمناداة بقيم الأصالة العربية والسورية منها بشكل خاص، ومن الطبيعي أن يحدث اصطلاح الهراديبية تساؤلات متلقين كثر عن منشأ اللفظ وجذره اللغوي، وهو من التعبيرات الدارجة في الجبال الساحلية يعود أصله للغة الساحلية السورية لغة السكان التي تعود لقرون عديدة قبل الميلاد، وتعني منطقة الحجارة، أما ما أرادته الحكمة من استخدام المصطلح السوري القديم فهو التذكير بالأصالة والقوة وإثارة الغرابة التي أصبحت من تقنيات النشاط الأدبي لهذا العصر، تعدد استخدام المصطلح ليحمله مكان إقامة جبلية في الساحل السوري أسس لدعوة المثقفين السوريين على اختلاف توجهاتهم ومنابتهم واعتقاداتهم الدينية للتذكير بعراقة أصلهم المشترك ومحبتهم لسورية وجيشها البطل الذي يخوض أشرس معاركه التاريخية من أجل الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة وسورية بجبلها وساحلها وباديتها، حيث أنشأت مجموعة الهراديبية الأدبية، وتكرر استخدام اللفظ في العديد من إطلاقاتي الأدبية كما في أوراق الهراديب وحجارة الحلم في ليلة القدر والحكمة التي كانت مطلق اللفظ الأول.
* المشهد الثقافي العربين هل هو معافى برأيك؟ وهل ما زال الأدب قادراً على أخذ دوره الطبيعي في الوضع الراهن؟
لو أردنا بالثقافة أنها التعبير عن المشهد الحياتي وواقع الحال، فلا ثقافة أصدق مما هي عليه الآن في عالمنا العربي، لأنها التعبيرات المنسجمة مع واقع التشرذم والانحطاط، وهي تعبيرات انعكاسية كفيلة برسم صورة واقعية مأخوذة بالتتابع، فالأرحام الرخوة لا تخرج إلا الدماء، وهذا وذاك وريث منطقي لـ (زمكانية) وجودية تتصف بالشمولية المتعصبّة، إن هذا من ذاك، وهو تعبير سليم وصادق عنه، ما أحوجنا لعصر (باروك عربي) يدافع عن الدولة وقدسيتها في هذا العصر، وكل ما تسعى إليه القوى الرجعية والإمبريالية والثقافة السلفية هو وضع العصي في عجلات المجتمعات المدنية، التي رسمت خطوها الدولة السورية ومثيلاتها من دول عربية هدّدها الغزو الثقافي الرجعي، متمرداً على النتائج الإيجابية لهيكلة المجتمعات المتمدّنة، في حين أطلق أغلب مدّعي الثقافة العربية صرخاتهم عن حريّة مزعومة ساقها (ما سمي الربيع العربي) واستهدف قيادة حركة التاريخ الثقافية القهقرىن إنه لمن دواعي الأسف ونحن في هذا العصر أن ننشد مع موليير قيمة النير والعصا للرعاع الذين أحضر ربيعهم وسائله لتدمير المعلم الثقافي والحضاري في مجتمعات حققت المدنية ونظام الدولة العصرية، ومن بحث عن الديمقراطية مع هذا الانفعال بالواقع لم يفعل إلا نثر الرماد في العيون، بل صبّ الزيت على النار، إن ما فعلته الأنتلجنسيا العربية في مداراة الحركة الرجعية أمر مؤسف حقاً، فالفاعل في تلك الحركة سلفية فكرية عقدت العزم على الدفع بواقع مأزوم باتجاه الخلف، وتحطيم ما بنته الديمقراطية بحجة (الديمقراطية)، وهي أنجبت عدداً من المنتجات الأدبية والفنيّة التي أفضل ما قيل فيها أنها بغير أوانها، ما حتّم عليها المفعول الرجعي، ونحن صدفنا بعض الصحوة التي أطلقها عدد من الكتاب من غير تأثير إيجابي في منع حركة الهدم التي وصفت الواقع، وكل ما سلف لا يلغي الأثر الفكري الإيجابي الذي بناه الفهم المنطقي لما يحدث أمام المثقف، فتمّ التعبير عن أولوية الحفاظ على مكتسبات الدولة والمقاتل الذي دفع ثمن موقفه السليم حياته أو بعض قواه الجسدية والنفسية، هؤلاء (المثقفون) بدت تعبيراتهم الأدبية والفنيّة خجولة إلى حدّما أو أنها لم تظهر للعلن بعد.
* وماذا عن الشللية في الآداب والفنون، هذه الظاهرة السلبية التي تقوّض حرية المبدع، كيف لأديب يغرّد خارج السرب أن يتصدى لذلك؟
لم ينهض فن من الفنون الإنسانية في أوروبا وغيرها بغير الشللية، والفنون تقوم على انطلاقة فردية تدخل التعميم شيئاً فشيئاً، بالقدر الذي تعبّر فيه عن التناغم المفصلي بين حاجة الواقع الاجتماعي وما أطلقه مبدع أو بعض المبدعين، هكذا باختصار نشأت الرومنتيكة والبرناسية ومدرسة الفن للفن ثم ما عرفناه بأدب الحداثة وما بعد الحداثة وبعد بعد الحداثة، فالشللية الفنية والأدبية هي ظاهرة طبيعية في نشأة الفنون، ولكن يجب أن نتناول في السؤال ذلك الجانب السلبي الذي قصده، ألا وهو صراع المبدعين على الظهور، وهو صراع قائم تاريخياً منذ حرب سقراط والسفسطائيين وابتكار سقراط للأيرونيئيا في محاججة الخصوم، وكل ما أود قوله هنا هو إن الفن ظاهرة اجتماعية في نهاية المطاف وهو محكوم بالصراع والتنافس وهيكلة الجماعات (الشللية)، غير أن الفن لا يذوب في عالم الصراع فإن غاب مبدع ظهر فنّه على لسان غيره، هكذا فالملمح الشكلي لآداب العصر الحديث نراه في رسالة الغفران للمعرّي دون دراية مسبقة، وما دمنا نتناول الآداب والفنون فسوف يبقى التعبير الفني مكوناً هاماً للبناء الفوقي الاجتماعي وهو المعبر المنطقي عن حركة المجتمع الثقافية، سأجيب الآن مباشرة على سؤالك فليست المشكلة في الفن بل بالبيئة التي تخلق الفن، والفن والآداب لا يمكن منعهما عن الظهور، خاصّة مع وسائل النقل والإعلام الحالي وانتشار صفحات التواصل الاجتماعي.
وختاماً: على الفنون والآداب أن تكوّن ثقافة ملائمة لروح المجتمع حتى تظهر وتقاوم العقبات، ثم تفرض وهذا ما أود قوله للسلبيين الذين يجدون في بعض المعيقات ما يبرر الانكفاء والهجر، فدائماً تطلق الحركة الاجتماعية تعبيراتها الثقافية المناسبة.

نور نديم عمران


طباعة   البريد الإلكتروني