د. جــان حمــو.. ورؤىً اغـــترابية لــدور الســوري وعزّتـــه

العدد: 9405

 الخميس 8-8-2019

 


من بلد السلام وأوابده، د. جان حمو حوار ورؤىً اغترابية لدور السوري وعزّته، في دور للأكاديمية العالمية للسلام في قدرٍ للبشرية كانت الحرب مُعطى وثابتاً تاريخياً، وَسَمتْ أيامه، كوّنتْ مع أزمانه المنعطفات الحديثة، ووشمت إنسانيتنا بأبشع الصور التي تتالتْ بأشكال الحياة التي تغيرتْ، حتى أنها في أوقات كثيرة كانت حافزاً اًو محرّضاً لاختراع أدواتها، وأسلحتها، لتغيّر معها الجغرافية وخرائط البلدان، وكمٌّاً هائلاً من الخصائص.
في كلّ هذا كان الإنسان هو محور هذا الحدث وقلبه وقالبه، في حصيلة إنسانية مؤلمة، حصدت فيها الحرب أرواحاً صبغت ووشمت عالمنا البشري بصفات لا تحملها الكائنات الأخرى ضمن فصائلها، لكن ومع هذا ظلّ السلام وما زال هاجس الشرفاء، بقيَ السلام مَنْشداً ونشيداً، وما زال رجالهُ يحاربون منْ أجله، في ظلّ الحرب الشرسة المؤلمة على سورية، كان لأحد أبنائها دورٌ بارزٌ في إعلاء حق السلام للإنسان وللبشرية، وكان للصوت صدىً موجع حقاً، لكنه يحمل كل الحب والوفاء لكل المعاني النبيلة التي أسست هذه البقعة من العالم وكانت موشومة على أوابده، وخطت أنبل القصائد التي تتُعلي قيمة السلام.
د. جان حمو هو أحد أبناء سورية الشرفاء، وأحد أبناء السلام، وهو الفنان التشكيلي والرسام الكاريكاتوري والمصور الفوتوغرافي.

* في تكوين د. جان حمو العامل الشخصي والعوامل المحيطة كيف صاغت هذه الحصيلة الناجحة؟ 

** من الطبيعي أن يتأثر الشخص بالمحيط أو البيئة التي يعيش فيها، ابتداءً من الأسرة والتي هي الركيزة الأساسية لتكوين شخصية الفرد والمجتمع، وهي العامل المؤثر في حياة الفرد، وأيضاً العادات والتقاليد وأصدقاء المدرسة والحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية... إلخ، الشخص الذي يريد أن ينجح يجب أن يرسم الهدف وعلى أسس ومبادئ صحيحة.
* الحرب التي لازمت البشرية زمنها كحتمية تاريخية، أين موقع السلام، وما هو دور أكاديمية السلام منه؟
** هناك العديد من العوامل تؤثر بنا كبشر، ومنها عوامل إرادية واعية ومدروسة ومخطط لها مسبقاً، مثل الخير والشر والحروب والقتل والدمار التي وجدت منذ الأزل، ومنذ قيام البشرية، والسبب هو الأنانية وحب الامتلاك، وعلى حساب الآخرين، سواءً كانت هذه الأنانية عن طريق إشعال لهيب الحرب والقتل والدمار بشكل مباشر، أو عن طريق حروب اقتصادية بشكل غير مباشر، هناك العديد من الدول انتهت فيها الحرب، ولكن دخلت في حرب أخرى أكثر دماراً وتعقيداً ألا وهي الحروب الاقتصادية التي هلكت الدول والمواطن، وأيضاً عوامل لا إرادية والتي كانت دون وعي ناتجة عن الطبيعة ولا داع لذكرها، وإن الحروب والقتل والدمار من سياسة الدول الرأسمالية، الأكاديمية لا تساوي شيئاً أمام التحديات التي تحدث في عالمنا هذا، بعد كل ما جرى في الدول من القتل والدمار والتفرقة بين هذا وذاك وبين المجتمع سواء كانت على الصعيد القومي أو الديني والسياسي والطائفي، عن طريق شعار وأهداف الأكاديمية استطعنا أن نجمع بين جميع مكونات المجتمع المدني الثقافي الإنساني من جميع الدول العربية تحت سقف واحد، ويبقى هدف الأكاديمية تحقيق السلام ونشره في كل بقاع العالم.
* للأكاديمية نشيد للسلام وشعار يضم الأيادي العالمية المختلفة اللون والصيغة، ولها سفراؤها في بلدان العالم، كيف تلتقي هذه العقول، وما هو الجامع لها؟
** نعم للأكاديمية رمز وشعار ونشيد يدعو إلى زرع ثقافة المحبة والسلام والتسامح والقيم الإنسانية النبيلة بين جميع مكونات المجتمع، ناهيك عن الدين والعرق واللون، ولدينا سفراء، وممثلو الأكاديمية من خيرة الشخصيات الثقافية من أدباء وكتاب وشعراء وفنانين يمثلون الأكاديمية في جميع الفعاليات والأنشطة الثقافية والاجتماعية مع الجمعيات والمؤسسات والأكاديميات، ومنظمات المجتمع المدني الثقافي والإنساني في دول الإقامة، ولهم صلاحيات مدير الأكاديمية ضمن برنامج وأهداف الأكاديمية.
* عبر المراحل التاريخية كان للمنظمات والمؤسسات التطوعية القطرية والدولية دورٌ بارزٌ في ترميم العديد والعديد من المآسي والويلات، ما هو دور أكاديمية السلام العالمية، وما هي إنجازاتها؟
** أي جمعية أو مؤسسة أو أكاديمية أو منظمة عندما تتشكل لها برنامج وأسس هادف وتسعى إلى إصلاح ومعالجة الواقع المتأزم بطرق وأساليب حضارية سواء عن طريق نشر ثقافة الوعي أو تقديم مساعدات معنوية أو عينة حسب القدرة المتاحة، أنا لا أستطيع أن أقول ماذا قدمنا وما سنقدم لدينا إمكانيات وقدرات محدودة، نحن نعمل ونقدم على هذا الأساس، والذي يتابع عمل ونشاطات الأكاديمية يعرف جيداً ما نقدم.
* التعبير هو حتمية مصيرية للنتاج الثقافي للأمم، كيف ترى الحصيلة التعبيرية العربية والعالمية، وأنت السوري المغترب سنوات طويلة، ما هو الفرق بينهما برأيك؟
** التعبير وإبداء الرأي من أبسط حقوق الفرد وأهمها، وأنا كإنسان وبشر يجب أن تكون لي حرية الرأي والتعبير، وهذه أيضاً من الحريات الشخصية المذكورة في لائحة حقوق الإنسان، حق التعبير في الدول العربية مقيد ومحجوز بالكثير من العوامل والأساليب والطرق(الحضارية)، وهناك مساحة للتعبير وإبداء الرأي في الغرب أيضاً ضمن حدود القانون.
* في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، تعرفت الثقافة العربية عبر العديد من الترجمات والقنوات إلى ثقافة تنويرية كان تُؤمِّل بتطور عقلي عربي مُبشّرْ، ما الذي أوقف هذه العجلة برأيك؟ وأعاد الزمن للوراء؟
** الخمسينيات والستينيات كانت فترة الانفتاح والازدهار والتقدم العلمي الثقافي، الطبي الهندسي، الجيولوجي وعلم الفلك في الوطن العربي، نحن كنا بقمة الحضارة وكنا سباقين في جميع المجالات، وللأسف الغرب أخذوا كل شيء منا، ونقلوا الحضارة إلى بلادهم، أخذوا منا كل شيء جميل وزرعوا بيننا التخلف والجهل والتفرقة، الذي أوقف عجلة التطور والتقدم هو التخلف وعدم تقبل الآخر.
* تقول سوزان سونتاج: (إن النصوص تجعلنا نفهم، أما الصور فهي تفعلُ شيئاً آخر، أنها تسكننا) بين بساطة اللفظ وفلسفته وعمق الدلالة تتولّدُ لغة عالمية أخرى، في ظلّ الصراع الدائم بينهما أيهما يَرجح عندك الكلمة أم الصورة؟
** عندما تسمع عن حدث ما، يترك تأثيراً بالمعنى العميق في داخلك، أنت تستخدم في هذه الحالة حاستين فقط (السمع والبصر)، ولكن عندما ترى أو تشاهد لوحة أو مشهداً ستستخدم جميع الحواس وربما تستخدم حاسة أخرى إضافية.
* وأنت الفنان التشكيلي والرسام الكاريكاتوري والمصور الفوتوغرافي، بين هذه العوالم الحالمة أي تشكيل يَقْرَبُ إليك في زمانه ومكانه؟ وأيهما الذي يبتعدْ؟
** الفنان عندما يرسم ويصور يستخدم كافة القدرات الذهنية والعقلية، يدخل ويحاول أن يستخدم جميع الطاقات والقدرات والحواس حتى يعطي للوحة رونقاً وجمالاً، للفنان نظرة تختلف عن نظرة الإنسان العادي إلى الأشياء، أنا أرجح المكان والزمان عندما تكون الريش بين أصابعي.
* في ظلّ ثورة المعلومات والاتصال، والثقافة العابرة دون خوف، أين تقف الهويات الأصيلة، وفي عالم صبغتهُ الرأسمالية العالمية بفكرها، كيف تسير البشرية؟ وإلى أين ؟ أهو مقدار ثباتها ودورها؟
** في ظل العالم الرأسمالي تنعدم الإنسانية ولم يبق للإنسان قيمة أو مكان وخاصة في زمن التكنولوجيا الحديثة والعولمة وبرنامج الربحية التي جعلت من العالم قرية صغيرة وأسواقاً وعناوين لهم، ولم يبقَ للثقافة عنوان ونكهة كما كانت، حيث أصبحت جميع الكتب مكدسة على الرفوف وفي الأدراج، وأصبح كل شيء متداولاً من خلال الوسائل المسموعة والمرئية، ومن خلال الإنترنت والوسائل، وأصبح البشر كسولين، والأكثر استفادة من هذا كله هي الدول الصناعية الرأسمالية.
* توصف الثقافة العربية بأنها ثقافة هشة، حداثتها متناقضة بين واقع مادي متخبط وثقافي لا يعبّرُ عن روح العصر، هذا الفصام المؤلم كيف تُقَيّمُهُ وتراه؟
** ليس هناك ثقافة هشة بمفهوم علمي أو أدبي، أنا وأنت وهو، يكتب ويبدع لهدف والكل يغرد، وعندما نقول ثقافة معناه أن هناك شيئاً إيجابياً حضارياً لتطوير الذات أو الفكر أو إحداث نقلة نوعية في المجتمع نحو الأفضل، لكن اليوم نحن من جعل الثقافة هشة، وفرغناها من المضمون الذي كان يحمل الكثير والكثير من الجماليات التي تدخل في صلب الإنسانية عن طريق وضع حواجز وقوانين كيفية، نعم فالحالة الثقافية في تراجع دائم في الوطن العربي.
* وأنت الفنان والرسام، أين أنت وبين المقولات التي تقول بأن الفنّ هو جزء من ثقافة الناس وممارساتها اليومية أو هو ثقافة عليا للمترفينْ أم أنه نضال فكري وثقافي للشعوب للتهيئة لحياة أفضل؟
** بين المقولات والواقع فرق شاسع، ربما كانت في ظل الحياة البسيطة فن وثقافة أو شيء روحي وتعبر عن واقع ما وحضارة ما، الآن أصبح كل شيء وسيلة من أجل العيش.
* يقال: (إنّ أهم ما في العدسة بعدها البؤريّ) على زمنٍ، وأنت تحمل كاميرتك هل قارب البعد البؤري عندك الحقيقة؟
** لكل واحد منا له خلف عدسته بعد وخطوط وزمن وصور وخربشات تختلف من شخص لآخر حسب الواقع والحالة العاطفية والمعاناة، الحقيقة شيء نسبي ليست موجودة عندي وعندك وعند فلان من شخص فقط، وفي ظل الأوضاع الراهنة ربما الكثير يخافون من الحقيقة.
* يقال: (إن الفن الحقيقي هو الذي يمتلك القدرة على قهر الموت)، هل هو كذلك أم أن الموت ما زال يقهر كلّ إبداعٍ فينا؟
** لا أحد يستطيع أن يقتل ما في داخلنا وخاصة إذا كنا نمتلك القناعة وحب الحياة والديمومة، أنا أعتبر الفن مثل شجرة الزيتون كلما تقطع يتفرع وتخضر أكثر.
* فشل النظريات العالمية جميعها بتحقيق سلام بشري يليق بإنسانيتنا، هل هو خلل في المبدأ أم في التطبيق؟ ومتى يسبق السلام الشمس في سطوعها؟ ومتى يسبق الليل إلى وسائدنا؟
** إذا كانت النظرية مبنية على أسس ومبادئ ومنطق وواقع سليم ومتين لن تفشل، أما التطبيق فيتوقف على ثقافة وضمير وحسن النية وأخلاق الشخص.

سلمى حلوم


طباعة   البريد الإلكتروني