ثقــــــــــافة «المقــــــــدنس»

العدد: 9401

 الأحد-4-8-2019

 


 

نحن نعيش في زمن يشهد كثرة الصراعات العقائدية وتعارض الأهداف السياسية والتنافس على المال والسلطة والأرزاق بحثاً عن الحلول الاجتماعية، والعرب يمارسون الخيانة العظمى للمستقبل من خلال انهيار الأخلاقيات والتجسيد الفردوسي للماضي والاتكاء على الموروث والمقدس وإعلان الولاء لغير الوطن ومحاربة العلم كي يبقى المواطن العربي في سجنه المطلق وظلمته الدامسة.
ثقافة المقدنس هي الثقافة الابتدائية التي تلفها أنسجة لا حدود لها من الخرافة والوهم ورؤى وأفكار خيالية غير حقيقية، والتي لم يستطع الإنسان حتى هذا التاريخ أن ينسلخ عن الكثير من معطياتها، هي ثقافة الأسطورة والوهم والمقدس والمدنس والتخيل واللامعقول، ثقافة الخوف من الماضي والحاضر والآتي وما يرافقها من بحث عن الخلاص على يد الدجّال وحُجبه وتميمته أو عند الساحر ورماد مجمره وأسماء جُنّه وجنياته.
ثقافة المدنس هي ثقافة غربة الإنسان وضياعه في منتجاته التي دفعته إلى فقد ذاكرته التاريخية ومعرفة أسباب قهره وتعدد أشكاله للبحث عنها في فردوسه المفقود، ثقافة الرموز العالمة لسر الوجود وحركة الكون وكوارثه، وأن المعرفة تكمن بما يتعلمه الإنسان منهم، ثقافته بكل تجلياتها الدينية والعقلية والرموز التي تحول الإنسان إلى ريموت كونترول، يشعر أن كل ما يتعلمه هو بداية المعرفة ونهايتها وعلى أيديهم الخلاص من ضياعه وخطاياه وذنوبه وغربته واستلابه في عالمه عسى يخرج بولادة جديدة، فيعيد إنتاج ظلمه وظلمته وقهره.
العالم العربي استشرى فيه اللاوعي وفقد حكمة العقل الذكي بفعل التداخل بين الديني والدنيوي، بين سلطة الله وسلطة البشر يعيش أزمة وعي ومآسي شقاء العقل الذي تحول فيه الإنسان من فاعل إلى مفعول به بفاعل أمسه الغابر، إحدى مهازل العقل البشري الذي ينوء بحمل الوعي المستلب، زمن يبدو فيه الكثيرون قطيعاً لا يعرفون إلى أين يقادون؟ وماذا يفعلون؟ عبر السيطرة على عقل الآخر وترويضه والتحكم به لتدجين الإنسان وترويض جسده لاغتصاب عقله ليصبح كتلة لحمية يقودها الآخر حيث يريد ويفعل ما يؤمر به، يقودهم الآخر (الغرب والصهيونية) كالقطيع لتنفيذ حفلات الجنون والنار والدم التي تعم كل مكان في المنطقة العربية لتدمير وتحطيم وتخريب البنى الحيوية للذاكرة الجمعية العربية برموزها المادية والمعنوية، وهناك من المثقفين العرب من انقاد بتبعية عمياء وسَخَّر فكره وقلمه للمخططات الغربية والصهيونية وقعوا ضحايا العفن الفتنوي ويتخبطون في حالك القيم والمفاهيم المعلبة، وكما يقول جبران خليل جبران: (وقاتل الجسم مقتول بفعلته.. وقاتل الروح لا تدري به البشر).
توظيف المقدنس واستثماره تجارة رابحة مغمسة بالذل والدم والعار، وفي زمن التطور وتسارع المعارف يتحول العقل البدائي السلفي إلى عقل غبي يغرق في المقدس فيحاصر بالمدنس والتدهور والانحطاط والظلام والعدم، المواطن العربي ضحية العقل المتخلف الغرائزي – العبثي – المأساوي ولم يجد ما يملكه لأنه مملوك ويسعى للخلاص من فقره ومعاناته واحتياجاته، فلم يجد إلا الثقافة التي تلغي الحقائق الواعية الساطعة لصالح الأفكار الظلامية العفنة.
تخصيب الأجساد والخداع والقهر العقلي وتصنيع الآلهة والتحكم بالفكر وتشويه العقل وغسل الأدمغة من أقدم الجرائم بحق البشرية، القيد الفكري إطار لا شعوري موضوع على العقول لا يحسون به ومن الصعب أن ينظروا إلى الأمور بحرية تامة، وهو كالضغط الجوي الذي نتحمل ثقله الهائل على أجسادنا دون أن نحس به، تُقاد به الجماهير إلى حتفها، كما يُقاد القطيع إلى المذبح برضاه، والعقل البشري لا يحس بوطأة القيد الموضوع عليه إلا إذا انتقل إلى مجتمع جديد ولاحظ فيه أفكاراً ومفاهيم مغايرة ليقينياته وقناعاته السابقة... ما يحدث حالياً في وطننا هيمنة الفكر الظلامي وغياب الفكر الواعي وتكبيل الإنسان بقوانين متطرفة مرعبة وسلبه إرادته وتحويله إلى وحش داجن بلا عقل عبر تحول غريب للعقل العربي إلى آلة استجابة أوتوماتيكية لقيادة الإنسان إلى المرعى الذي تختاره الصهيونية العالمية لتدمير المجتمعات العربية.
(الربيع العربي) شجرة خبيثة موبوءة ظهرت فجأة وحولت المنطقة العربية إلى نار وجحيم على أيدي دجالين يطلقون لحاهم ويقصرون عباءاتهم ويدّعون أن بأيديهم مفاتيح الجنة والنار، وإلغاء كل مختلف مع الأيديولوجيا المتطرفة وخاصة الوهابية والأخوان المجرمين واستخدام الإرهاب كأداة خوف وتخويف وإرعاب، وبعض المثقفين والمفكرين الذين استؤجروا بالدولار ليخوضوا الحرب الثقافية المقدنسة ضد شعوبهم وبلدانهم في انحراف مقزز وارتباط معلن بالمشروع الإرهابي المتوحش.
الإرهاب آفة خطرة يتكئ على فهم خاطئ للموروث الديني والثقافي وانفلات الإنسان من النواظم الأخلاقية والقيم بأيدي رعاع مقادون من قبل قُواد يتحكمون بعقولهم التي اغتصبوها وسيطروا عليها، والإجرام لم يترك جميلاً على وجه الأرض العربية إلا واغتاله، عمليات من الخداع والتدمير والقتل... نحن في هذا الزمن أحوج ما نكون إلى ممارسة الحياة بعقول منفتحة، المقدنس ثقافة منحرفة مجرمة تُصنّع في الغرب وتُسوًّق لنا... علينا تفكيك وغسل هذا الصدأ الذي احتل الجسد وصار عفناً يؤذي ويدمر... فكيف سنحرر القدس والمقدسات وأراضينا المحتلة ونحن لم نحرر أنفسنا بعد....؟!

نعمان إبراهيم حميشة


طباعة   البريد الإلكتروني