رســــــائل غســــــان كنفــــاني إلى غـادة السمان...

العـــــدد 9400

 1 آب 2019

 


إن هذا الكتاب يمثّل بوحاً أحاديَّ الجانب، وذلك حين جمعت الأديبة غادة السمان فيه رسائل غسان كنفاني إليها متجاوزة ردودها، بحجة أن ما كتبته إليه لم يكن بحوزتها، إذ أشارت في مقدمة الكتاب إلى رغبتها في أن تُنشَر هذه الرسائل بصورة كاملة، كما عبَّرت عن أسفها على احتراق قسم من رسائله إليها حين احترق بيتها في بيروت عام 1976.

تقول: (وكل ما أتمناه هو أن أرى رسائلنا كلها منشورة معاً، كما حلمنا يوماً، رسائلي ورسائله حتى تلك التي احترقت، ولعلّي كنتُ حنثتُ بعهدي لغسان على نشر تلك الرسائل لو لم أجد فيها وثيقة أدبية، وسيرة ذاتية نادرة، الصدق لمبدع عربي مع الوطن المُستحيل والحب المُستحيل، وثيقة ثرية بأدب الاعتراف، الذي تفتقر إليه مكتبتنا العربية، والرسائل بهذا المعنى تسد نقصاً سبقتنا الأمم الأخرى إلى العطاء في مجاله، وتؤسّس لنوع جميل من الأدب، مازلنا نتهيب أمام بحاره، ومن أجدر من القلب العربي الثري للخوض في لجته).
وتعترف غادة السمان في مقدمة الكتاب بفخرها واعتزازها بحبّ رجل كهذا أهدى روحه لوطنه، وتشير إلى أنّ كل أنثى تزهو ولو سراً بعاطفة تدغدغ كبرياءها الأنثوي، وهي تقول صراحةً: إنها لا تستطيع تبرئة نفسها من ذلك جزئياً.
ونجدها في مقدمتها وهي تحاول أن ترسم شخصية غسان بقولها: (غير العادي في غسان كان تلك الروح المتحدية، النار الداخلية المشتعلة المصرّة على مقاومة كل شيء، نار من شجاعة تتحدى كل شيء حتى الموت، والوفاء ليس فقط للعاطفة الغابرة أبداً المتجددة نحوه، بل وفاء لرجل مبدع من بلادي اكتمل بالموت، لأنه كان أكثر صدقاً من أن يسمح له عدوه بالحياة والكتابة والاكتمال بالعطاء).
وبعد ذلك يمكن أن نتوقف عند رأي أحد الكتّاب حول هذه الرسائل، وهو إلياس خوري، إذ كتب في صحيفة عربية: (غادة السمان تقول إن رسائلها الجوابية لغسان كنفاني ليست في حوزتها، ونحن لا نملك سوى تصديقها، لكنها لا تستطيع أن تدَّعي أن ذاكرتها ليست بحوزتها أيضاً، فالإشارات التوضيحية التي كتبتها في أسفل الرسائل تدل على أنها ماتزال تذكر أدق التفاصيل، لماذا لا تكتب مقدمة عن الحكاية؟ هل لأنها أرادت أن تحتفظ بصورة المتسلّط المطلق؟).
وسوف نورد في النهاية بعض النماذج من رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان:
(يكبر غيابك في صدري بصورة تستعصي على العلاج، يدهشني أنني لم أجد شخصاً يقول لي: رسالة لك يا سيدي من لندن، يخفق قلبي كلما دقّ جرس الهاتف في هذه الغرفة العارية، ثم لا أسمع صوتك ينادي كالوشوشة غسان).
(لديّ فكرة لمسرحية سترينها في أوراقي الخاصة، لا أعرف متى سأكتبها؟ أعرف فقط أنني أنتظرك أنتظرك أنتظرك، وأفتقدك أكثر مما في توق رجل واحد أن يفتقد امرأة واحدة، وأحبك، ولن أترك أبداً سمائي التي تحدثتُ عنها، تفجّر الثلج، إنني فخور بآثار خطواتنا، ولا أريد لشيء حتى السماء أن تكنسها).
(ثمة حقول من طحلب غير مرئي، اسمه الانتظار تنمو على راحتَي يدَينا حين تمطر فوقهما المصافحة، هناك جسر من الانتظار تشده أهدابنا إلى بعضها حين تتبادل النظر).

د. رفيف هلال 

 


طباعة   البريد الإلكتروني