عمــليات تجــميل ثقافــية... مــاذا أنتجـــت؟

العـــــدد 9400

 الخميس 1 آب 2019

 


تغزو عمليات التجميل وجوه وأجساد مجتمعاتنا، وأصبحت هوساً يجتاحها لغاياتٍ نفسية واجتماعية معظمها يصب في بوتقة المظاهر وما يعرف بـ (البريستيج)، كنوعٍ من التقليد والانقياد وراء الموضة وركوب أمواجها خوفاً من الغرق في مستنقع القبح أو التخلّف، وهذا التجميل يمكن إسقاطه على مفاصل الثقافة وأنواعها وفروعها كافة!

فكم تخضع بعض الفعاليات والنشاطات لجراحات تجميلية بمبضع جرّاح خبير، قد يكون إعلامياً أو خبيراً أو قائماً على الفعل الثقافي بذاته؟ يزيّن عيوبها ويحسّن أخطاءها ويُخفي تشوّهاتها، ويحاول جاهداً إظهار مكامن جمالها، لتبدو للعامّة في أحسن صورة وتقويم، خالية العيوب لا تشوبها شائبةٌ إلاّ ما ندر.
وإذ نخوض في التفاصيل على سبيل المثال، نجد ملتقىً شعرياً يضمّ باقةً من ألمع الشعراء، يجودون علينا ببحور الشعر وقوافيه، وتصدح حناجرهم بمعلّقات ونثرياتٍ بعضها جميل (للإنصاف) لكن بعضها الأكبر مجرّد كلامٍ مصفوف بلا معنى أو مغزى، لتأتي بعدها البهرجة الفيسبوكية التجميلية، لتتداول صفحاتهم الشخصية وصفحات عائلاتهم ومقرّبيهم ومواقع الملتقيات الأدبية وسواها أخبارهم وقصائدهم في تغطيات إعلامية أشبه بالمهرجانية، وتنهال عليهم مئات التعليقات بين المديح والثناء والإطراء والمجاملة فتضيع الطاسة ويختلط الحابل بالنابل، ليس هذا وحسب فقد تتداول المنابر الإعلامية هذا الملتقى كما لو أنه سوق عكاظ زمانه، فتكبر تلك الأسماء ويعلو مقام شأنها لنراها بين يومٍ وليلة تتلاطمها عروض الإطلالات سواء الصحفية الورقية أمن المرئية أم المسموعة أم من خلف الشاشات الزرقاء، وفي هذا ظلم يرتكبه الإعلام في مكانٍ ما فأن تُعطى تلك المساحات الزمانية من بعض البرامج لمثل هؤلاء على حساب أسماء أخرى، قد تكون أجدر وأحقّ لكنها لم تنل فرصتها في الظهور والانتشار كسابقتها، وهنا يتحول الإعلامي إلى جراحٍ تجميلي، يظهر مكامن الجمال والبهاء بقصد لفت النظر لكنه يشوّه الحقائق ويزيّفها، ويقدم للمتلقي صورةً تخفي خلفها ادعاءً ونفاقاً في معظم الأحيان.
وليس حال الشعر وروّاده فقط من يخضع لعمليات التجميل، ففي معارض الفنّ التشكيلي، وما أكثرها هذه الأيام، تتحفنا صالات المعارض بعشرات اللوحات، لأسماء ما زالت كبيرة في عالم الفن وتحافظ على مستواها واسمها الكبيرين، ولم تنجرّ وراء خطوط الموضة فهي لا تحتاج لمن يشهرها، إذ أن لوحاتها تدلّ عليها، وجمالها الطبيعي يجذب الأنظار إليها دونما أيّ حركات تجميلية أو سواها، مما يعتمده البعض، وخاصة المستجدّون في عالم الفنّ التشكيلي، الذين يعتقد (بعضهم) أنه بمجرد إمساكه الريشة والألوان، وما ملء المساحات البيضاء الفارغة كيفما شاء، قفز إلى مصاف الكبار وعمالقة التشكيل، ويحسب نفسه (بيكاسو)، له مدرسته الخاصة وخطّه وتوجهّه الفنيّ الممّيز، لا يشبه أحداً، ولا يمكن لأحد أن يشبهه، وأمثال هؤلاء كم خضعوا لجراحات تجميلية نفسية قبل الجسدية واستأصلوا فيها التواضع والبساطة ونزاهة الكبار، واستبدلوها بالتكبّر والعجرفة، إلى حدّ إصابة بعضهم بما يشبه جنون العظمة، ينظّر على هذا ويلقي مواعظه على ذاك، رغم أنهم أشدّ الناس إلى مدارس تهذّب فنّهم وتحرفه إلى جادّة الكبار، وأمثالهم كم يخضعون لتزييف تجميلي يخفي حقيقتهم ويضلل متابعيهم.
وليس الشعر والتشكيل وحدهما من يخضعان لعمليات النفخ والشدّ والحقن الإعلامي، فما قلناه سابقاً ينطبق على كثير من مفاصل المشهد الثقافي عموماً، من الأفلام السينمائية التي تبتعد عن الواقع أحياناً، وتلامس الخيال أحياناً أخرى، لكن القائمين عليها مضطرون لتسويقها وترويجها ونشرها على أوسع رقعة زمانية ومكانية، ولو كان هذا على حساب المضمون والأسماء التي تحفل بها، وكل ما يحتاجونه ضجّة إعلامية وإعلانية كبيرتان، ويصبح الفيلم الأقوى إنتاجاً وانتشاراً وحضوراً وإقبالاً.
كذلك حال الأمسيات والحفلات الموسيقية والغنائية والراقصة، فليس كل من اعتلى خشبة المسرح للغناء أو التمثيل أو الأداء أو الرقص، كان جديراً بهكذا إطلالات، لكن ظروفاً ما، جمّلت حقيقته مع بعض التعديلات والإضافات الجمالية هنا وهناك، بات مستحقّاً- بنظر هؤلاء، لنشر مواهبه وإظهارها أمام العامّة.
أليس حريٌّ بأهل الاختصاص نزع الأقنعة عن تلك الوجوه وكشف قبحها وزيفها؟
ألا يجدر بالإعلام تنفيس تلك الوجوه المحقونة والشفاه المنفوخة لتعود إلى حجمها الطبيعي دون رتوش أو نقوش؟
فالجمال الطبيعي يفرض نفسه ويدلّل على ذاته، دون الحاجة إلى حقن الشد والنفخ، التي مهما طال الزمن لا بد ستنتهي في نهاية المطاف إلى الترهل، وتتحول إلى القبح والشناعة والبشاعة إن كانت في غير موضعها ولغير أهلها ومستحقيها.

ريم جبيلي

 


طباعة   البريد الإلكتروني