بخلُ كلام

العــــــــــــــدد 6398

الثلاثـــــــاء 30 تموز 2019

 

ما أصعبه وأقساه أن يكون المرء غير كريم! وما أصعب أن يعيش المرء بعيداً عن نفسه المتجلّية في الآخرين! إنّه لأمرٌ قاسٍ جدّاً أنْ نبتعد عن حقيقتنا أو أن نبتعد عن المفهوم المطلق والمجرّد في الحق والخير والجمال، هذا المفهوم المتجلّي الذي علّمنا معنى العطاء بلا حدود ولا قيود، علّمنا أن نكون الآخر في أنفسنا فنكون الثاني في العدد والترتيب بعد أن يكون الآخر هو الأوّل في قصدنا وعملنا بل إنّه هدفنا الذي نسعى من خلاله إلى أنفسنا كي تستعيد عافيتها وتعيشَ السّعادة بأبهى صورها وتجلّياتها حيث يعتقد البعض أنّ المرء إنّما هو المفرد بعدد وأقول إنّه الجَمْعُ بنفسه، لأنّه ما كان يوماً من الأيّام إلا جمعاً لا فرداً.
هو الإنسان الذي كان وما زال مضمون الرسالة الإلهية بل إنّه هدفها وغايتها، ولن يكون الإنسان إلا أُنس أخيه الإنسان بعيداً عن هدر الطّاقات الإيجابية العضلية منها والكلامية، وما أصعب أنْ يكون المرءُ بعيداً عن تجميل الكلام وتزويقه بالمشاعر العاطفية المفعمة بالحب والعطاء! وما أجمل أنْ يكون كلامنا كالماء السلسال الذي نتوق إليه كلَّ حين!
نعم هو صعبٌ على المرء أنْ يكون غير كريم ولا معطاء حتى بالكلام الجميل الذي يبعث في قلوبنا الفرح ويرسم على وجوهنا البشاشة كما يجعلنا في توقٍ دائمٍ إلى العمل واللقاء والالتقاء بالذين يمدّوننا بمثل هذه العبارات أو حتى الكلمات التي تأخذنا إلى سحر الحياة وجمال الإنسان المتجلّي في الكلمة المنطوقة، تلك الكلمة التي كانت الحقّ والفصل بين أن نكون أو لا نكون من حيث الاستمرار والخلود في عقل الآخر وفكره الذي استطاع أن يُنتج هذه المفاهيم من الحق والخير والجمال، وهل أجمل من أنْ يكون الإنسان رمزاً لهذه المفاهيم أو أنْ يكون الكائن الوحيد الذي اختصر هذه المفاهيم والقيم التي بحدّ ذاتها ليست السبب في الحياة بقدر ما هي السبب في متعتها وروعتها، حيث يستطيع الإنسان أن يعيش الحياة ويجعلها حياةً تُعاش بدل من أنْ تتحوّل إلى حياة لا تُطاق مع وجود أولئك الذين يضنّون على أنفسهم والآخرين ببعض كلام ويعيشون بخل الكلام .

نعيم علي ميّا


طباعة   البريد الإلكتروني