مثقَّفـــو الفيــــــــــس بـــــوك.. أولى ضحــــايا الفصـــــام

العــــــــــــــدد 6398

الثلاثـــــــاء 30 تموز 2019

 


شاشةٌ زرقاء تحتضنها أيديهم بحبّ وسلام، كما لو أنّها كنز ثمين أو ابنٌ غالٍ، لا تفارقهم ليلاً ولا نهاراً، ترقَّبها عيونهم وتترصّدها أناملهم، ينتظرون نغمات رنينها وطنينها، يتصيّدون أنباءها وأخبارها...
مئات المواقع والصفحات تتحفنا بها تلك الشّاشة، وعشرات الإشعارات والإخبارات، كلٌ يغنّي على ليلاه، لا قواعد ولا ضوابط (سلامة أو مصداقية) تضبطها أو تنظم عملها، مدّعون، منافقون، مراؤون، ما إن تضعهم على المحكّ حتَّى تتكشف خباياهم وتنجلي ادّعاءاتهم، تقتلهم المظاهر الثقافية والأدبية، يتسكعون بين أزقة أدبائها وعمالقتها، يتسوّلون الإعجابات والتعليقات، سرقاتهم موصوفة، ومقبوضٌ على فاعلها بالجرم المشهود، من يحاكمهم؟ ومن يُنصف متابعيهم (إن وجدوا)؟

يزخر الفيس بوك بمئات إنْ لم نقلْ آلاف الصفحات الثقافية، لأشخاص ومواقع يسيّرها ويتدبر أمورها مدّعو الثقافة والأدب، أكثرهم إن لم يكن جلّهم، يستنزفون عقولنا وأفكارنا وأوقاتنا بمنشوراتٍ أقرب إلى السطحية والعمومية منها إلى الغوص في أعماق بحور كنوزها والغرف من إرثها ومناهلها، والتزوّد من محطات علمها وتاريخها.
نستطلع في الآتي بعضاً من الآراء لرّواد موقع التواصل الاجتماعي الأكثر استخداماً (الفيس بوك) والأكبر زوّاراً ونشاطاً بين باقي المواقع الإلكترونية.
تقول رنيم (خريجة علم اجتماع): حمّى الفيس بوك تجتاح العالم أجمع، وبوّابته مفتوحة على مصراعيها، منها الرديء ومنها الجيّد، لكن المشكلة في غربلة كل منها، وفصله عن الآخر، وانتقاء ما يناسب واقعنا وثقافتنا، لكننا نفاجأ ببعض الأسماء التي لا تمتّ إلى العلم والثقافة بِصلة، يمطروننا بعشرات المنشورات اليومية لمقتطفات من الأدب العالمي أو المحلي، أظنّ أغلبها مقتبساً، تخفيفاً لوقْع كلمة (مسروق)، ويدّعونها لأنفسهم دون رادعٍ ثقافي وأخلاقي.
مارين (مدّرسة حلقة ثانية): تضمّ صفحتي الشخصية على الفيس بوك عشرات الأسماء لشخصيات تليق بها تسمية (مثقّف فيسبوكي)، نظراً للكمّ الهائل من المعلومات والإفادات الأدبية والعلمية التي يقدمونها لنا، ولو أنّ بعضها معلوم مصدره، لكن تذكيرنا به من باب العلم والإفادة له أثره، خاصة أقوال الحكماء والفلاسفة الذين ما تزال مآثرهم تنطبق على كلّ زمان ومكان، مهما نال التطور التكنولوجي من حياتنا ويومياتنا.
جعفر (طالب طبّ بشري): أُصاب بالتّخمة التعليقية كلّما حاولت تصفّح الفيس بوك، لكثرة المنشورات وقلّة المعلومات، كلّ يدّعي أنه طبيب زمانه، سينتشل البقية من براثن الجهل العلمي والفكري، ويقدم لهم الدواء الناجع والحلّ السّحري لمشاكلهم كافّة، العائلية والعاطفية والصحية والاجتماعية والاقتصادية ووو...، كما لو أنه حكيم زمانه، وينصح هذا ويوبّخ ذاك، وهو في حقيقة الأمر على أرض الواقع أمسّ الناس إلى طبيب نفسي أو عقلي يداوي أدمغتهم الفارغة إلاّ من الثرثرة واللّغو التافه.
علي (طالب حقوق) يقاطع زميله جعفر بالقول: أعرف أحدهم لا يترك منشوراً على أيّ صفحة سواء شخصية أو عامة إلا ويعلّق عليها بتعليقاته وفلسفاته وفزلكاته، لدرجة تجعلني أكره (الفيس بوك) ومن اخترعه، يُعاند هذا ويُشاكس ذاك، ويتعاطف مع هؤلاء، وهو أبعد ما يكون عن التحلّي بصفة المصلح الاجتماعي كما يبدو لنا، وبحاجةٍ لمن يرشده ويوّجهه ويصلح أخطاءه وعثراته وهفواته، ينتحل الثقافة لذاته كما لو أنه فيلسوف عصره ويطلق انتقاداته دون ضوابط أو روادع، وأمثال هؤلاء وَجَب حظرهم أو إلغاء متابعتهم كي لا نصاب بالغثيان كلّما طالعتنا أسماؤهم وصورهم.
ندى (موظفة) تشرح لنا هيئة مدّعي الثقافة ومتطفّليها: تراهم يمتشقون حقائبهم وأقلامهم وأوراقهم وكتبهم، تحسدهم على مظاهرهم وتتمنّى أن تستفيد من علومهم ومعارفهم وثقافتهم، يطالعونك بمقالات ومواضيع ومحاضرات يصعب على أمثالي فكّ طلاسمها، لهم مريدوهم وطلاّب علمهم، أصنّفهم تحت مسمّى النخّبة لكن ليس في كلّ شيء، إذ لابد من وجود عيوبٍ ونواقص تلفهّم، فليس كل من اعتلى المنبر وتحّدث وأفصح أصبح علاّمةً وعارفاً ومثقفاً، هكذا مسمّيات لها أهلها وأصحابها ومستحقّوها، ينالون لقبها بجدارةٍ وعن سابق إرثٍ ومنتوجٍ إبداعي يُفيد الآخر ويُفيدهم.

ريم جبيلي 


طباعة   البريد الإلكتروني