أطفالنــا .. ومحاكــاة العنف معاً .. لتتكامل الجهود ونتلافى الثغرات في العملية التربوية أولاً والتعليمية ثانياً

العدد: 9364

 الأربعاء 12-6-2019

 

ظواهر عدة باتت تطفو على مجالات الرؤية في مجتمعنا تستدعي الاهتمام ولفت الأنظار إليها مع تكريس الجهود ووضع الخطط لاحتوائها ودراسة نتائجها على المدى القريب والبعيد.. ظاهرة تمزيق الكتب والدفاتر المدرسية بعد الانتهاء من المواد الامتحانية كرد فعل سلبي على الضغوط النفسية والجسدية أثناء فترة الامتحانات، وكذلك ظاهرة العنف بين الطلاب أنفسهم وردود أفعالهم غير الأخلاقية أحياناً إزاء الكادر التدريسي، وظاهرة اختيار الألعاب القتالية من أسلحة ومفرقعات وغيرها في العيد والمناسبات الأخرى، ظاهرة اختيار الملابس التي تحمل شعارات ورموزاً ورسومات غريبة وعنيفة، وغيرها من الظواهر التي بتنا نشاهدها بكثرة بين أطفالنا - وحتى شبابنا - وفي كثير من الأحيان نمر مرور الكرام أمامها دون أن نكلف أنفسنا عناء التفكير بأسبابها ونتائجها وآثارها السلبية على سلوك أطفالنا وطريقة تفكيرهم وأسلوب حياتهم .. صحيح أنهم من جيل بات يدرك الواقع مقروناً بالصورة الدامغة التي تسيطر على عالمه والتي يستقيها من التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الافتراضية وليس من السهل علينا أن نحاججه بالسلوك السليم والقيم والأخلاق كما كنا نتلقاها من حكايا الجدة أو من عبرة كنا نأخذها من رواية تحاكي قصص الشعوب وأبطالها، ومن هنا كان لا بدّ من طرح السؤال التالي وهو: كيف سنتعامل مع أطفالنا في ظل واقع ألفوا العنف فيه؟ وهل يحق لنا أن نطالبهم بعدم تمثل مشاهد العنف في سلوكهم اليومي؟


السيدة آمال زينة - مدرّسة قالت: في آخر يوم امتحاني للصفوف الانتقالية شاهدنا كماً هائلاً من الأوراق المدرسية الممزقة أمام باب المدرسة، كتب ودفاتر تناثرت أشلاء وضاع معها جهد عام كامل من السهر والدراسة، وحسب رأيي لا مبرر لهذا التصرف سوى عدم الاحترام وقلة الاهتمام إزاء جهد مدرس أو ولي أمر وضع كل رعايته ليقدم المعلومة والمعرفة لهذا الطالب المستهتر وغير المبالي، وهنا أشدد على تكامل الجهود بين الهيئة التدريسية والأهل لتلافي الثغرات في العملية التربوية أولاً ثم العملية التعليمية ثانياً، وذلك بزيادة الاهتمام والتوجيه نحو القيم السلوكية الأفضل وتخصيص الوقت الكافي للمناقشة المنطقية بين الطالب من جهة وبين الجهات الأهلية والتربوية من جهة أخرى.


السيد مازن عبد الله - صاحب محل ألعاب للأطفال قال: ظاهرة شراء ألعاب الأسلحة باتت منتشرة في الأعياد والمناسبات وهي مطلوبة في الدرجة الأولى من بين الألعاب الموجودة في المحل، وقد تكون هذه الظاهرة محاكاة لما يراه الطفل سواء على شاشة التلفاز أو على شاشات أجهزة الألعاب الالكترونية، فألعاب التركيب وتنمية الذكاء لم تعد تستهوي أطفال هذا الجيل وكل ذلك يأتي على سبيل تقليد المشاهد التمثيلية القتالية التي تزدحم بها مسلسلاتنا وبرامجنا وحتى نشراتنا الإخبارية، وحسب رأيي، علينا جميعاً أن نوحد جهودنا لاستيعاب خطورة هذه المرحلة واحتواء تداعياتها بالمزيد من الرعاية والتوجيه ليتمكن أطفالنا من العودة إلى طفولتهم ويحولون دائرة اهتماماتهم من تمثل العنف وتقليد مشاهده إلى تنمية الهوايات والمواهب الفنية والرياضية والعلمية.
الصديق جمال غانم - الصف السابع قال: أهوى ألعاب الأسلحة وأحياناً أحرص على اللعب بها مترافقة مع الصوت العالي الخاص بها، وأنا أشتريها على سبيل الاستمتاع بها مع زملائي ولكننا نتعامل معها بحرص وانتباه كي لا نؤذي بعضنا لأن بعض الأطفال يستخدمونها بشكل مؤذٍ للغير، لذلك وجب علينا احترام قواعد الشارع والبيت وعدم وضع الأشياء المؤذية بداخلها حتى لا تتسبب بما لا يحمد عقباه.
الصديق الياس موسى - الصف الثامن قال: أهلي هم من يختارون ملابسي بما يتلائم مع وضعنا المادي وما يتناسب مع سني وألواني المفضلة لذلك فأنا لا أقتني الملابس الغريبة أو المنفرة من حيث الرسوم والرموز المكتوبة عليها، لديّ بعض الأصدقاء يحبون اقتناء هذا النوع من الملابس على سبيل التشبه بالمشاهير أو الإعلانات ويسايرون ما يُعرض أمامهم على الشاشات وأحياناً يصل بهم الأمر إلى تقليد قصات شعر غريبة لا تتناسب مع ما يحيط بنا من مجتمع له نمطه الخاص والهادئ.
بقي للقول: هل باتت هذه الظواهر من سمات هذه المرحلة التي يعيشها جيل المستقبل وهل ستلازمه في رسم خطوط واقعه ومستقبله؟ الأمر يتطلب منا جميعاً الكثير من التنبه والدراسة والحل - لا سيما من هم في موقع المسؤولية - بغية تدارك الآثار السلبية لواقع يتعايش معنا ويلازمنا ويفرض نتائجه علينا مهما قربت المسافات أو بعدت عن هذا الواقع المأساوي من مشاهد عنف وتشويه لكل ما هو إنساني فينا، ويجب أن نرفع الصوت عالياً لتكون المقترحات والحلول والمعالجة بحجم هذه الظواهر التي بدأت تتغلغل في سلوك أطفالنا وتتجلى في ألفاظهم اليومية وألعابهم ورسوماتهم وعباراتهم التي يسطرونها على دفاتر واجباتهم اليومية وعلى صفحات كتبهم المدرسية وحتى على ملابسهم، فهي محصلة لكل ما يحيط بهم من بيئة أسرية ومدرسية واجتماعية ولكل ما يشاهدونه على الشاشات بمختلف مقاساتها، فأجيالنا القادمة أمانة في أعناقنا، ولا ينبغي علينا أن نهمل التربة التي سنغرسهم فيها ليبدؤوا مسيرة العطاء ويكونوا رجال المستقبل وصنّاع الغد في بلدنا الحبيب.

فدوى مقوص


طباعة   البريد الإلكتروني