الانفصال بين الأجيال في الساحة التشكيلية

العدد: 9361

الأحد-9-6-2019

 

 


من الجيد وجود مجموعات تضم فنانين على قاعدة التعاون وتبادل المعارف والخبرات لتحسين الواقع الفني والارتقاء به، إلا أنه وبسبب الفشل الفني أحياناً وغياب الوعي بقيمة الفن الحقيقي أحياناً أخرى تحكمت المجاملات في سير الأمور سواء من نقاد أو إعلاميين أو فنانين يسوقون لمصالح بعضهم البعض مما أدى لظهور الشللية السلبية التي تتلخص أهدافها في التقول ضد الآخر والتقليل من أهميته في سبيل السيطرة على الساحة الفنية التشكيلية، فهل يجوز احتكار الفن وهل نخدمه بالطعن والتجريح بفنانيه؟
حول انفصال الأجيال في الساحة التشكيلية وتصدر كبار التشكيليين للمشهد التشكيلي على حساب انغماس المواهب كانت لنا جولة لاستطلاع آراء عدد من الفنانين والنقاد..

* أشار د. طلال معلا إلى قطيعة بين جيل الشباب ومن سبقهم من أجيال في العشريتين الأخيرتين، على النقيض مما كان متعارفاً عليه في صلة وتداخل خبرات وإنجازات الأجيال السابق، ولعل هذا الموضوع كما يراه على صلة بقبول تاريخ الفن ذاته، إذ بات الشباب يركزون على الشرائح المقربة من فهمهم للفن ومصطلحاته المتجددة.
ويتابع د. معلا: لهذا بات تركيز الشباب على الفعاليات الدولية والبيناليات الكبرى ذات التوجهات المعاصرة التي تستند في منطق تفكيرها على النظريات المعاشة والتي تشكل بتحققها إحراجاً في الوسط الفني، نظراً لاختلاف الأسس التي يعتمدون عليها، كالموقف من فكرة الحداثة ذاتها، إذ يعتبرونها تناقض نفسها حين تنتمي إلى كونها مكرسة في زمنها الخاص، وليس في الزمن العام، وهذا يقتضي انعدام إمكانية فتح الحوار مع السابق على وجودها، ما يعني أن من نفضل أن نطلق عليهم صفة الشباب، إنما يؤكدون عدم قدرتهم على ممارسة أي تطوير أو بناء حوار مثمر وهادف مع سابقيهم، خاصة حين يتجاوز التفكير المحلية بكليتها إلى مواقعهم في العالم ومشاركاتهم فيها.

 


يبدو هذا الفهم النظري لقضية ما ندعوه القطيعة الجيلية بين فناني المحترفات الوطنية متفاوت المستويات في المحترفات العربية إلا أن مفاهيم الحداثة والمعاصرة التي يحددها النقد هي الأساس في تنوع العروض واختلافها سواء بالانتماء إلى الحاضر أو الذهاب بعيداً في الماضي المكرس كشكل من أشكال التبعية الهيكلية في الفنون التشكيلية، إذ يطلق على فنون ما بعد منتصف القرن الماضي الفنون المعاصرة، لهذا وجب التفريق بين الفنون المعاصرة وفنون ما بعد الحداثة على مستوى المفهوم، ولا بد أن نذكر بالضرورة أن معظم الفنانين الذين صنفوا في فنون الحداثة كانوا في الحدود الفاصلة بين تلك المفاهيم، يمارسون تقاليد الحداثة المتأخرة فيما بقي مصطلح المعاصرة منسحباً على فترة زمنية أوسع بكثير، بحيث تمكنت على المستوى النقدي أن تضم في جوانبها فنون ما بعد الحداثة، ويمكن أن نلاحظ أيضاً أن العديد من فناني ما بعد الحداثة اعتمدوا في اشتغالاتهم على أفكار الفن الحديث رغم اعتراف أغلب النقاد بعدم القدرة على ضبط الزمن الحديث أو العصر الحديث أو ما هو بعد الحديث أو ما هو قبله.
اختلاف أشكال المعارض حقيقة ينتجها اختلاف اشتغالات الفنانين الاختبارية في بحثهم المتجدد عن اليقين الجمالي الذي لم تحدده أية فترة من فترات تاريخ الفن بشكل نهائي، إنها مهمة الفنان المرتبط بزمنه الخاص الذي تنطلق منه الأسئلة القلقة التي تقوده لإعادة النظر بكل شيء باعتبار تجربته تمثل في أساسها مشروعه الفردي.

 


يحق للمجددين فتح الأبواب والنوافذ على مختلف التجارب المقاربة، وتبقى المسألة عالقة في مدى قدرة هذه التجارب على الخصوبة، أي قراءة وفهم المنظور الجديد على أن تساعد في إيضاحه أكثر مما نأمل استيعابه في مجتمعاتنا، وسيكون على مبدعينا تأمل القرن الماضي ملياً قبل الرحيل عن مجموعة اليقينيات، وولوج عالم الصمت المبجل المنقطع عن النظام الترابطي، الذي كرسه تاريخ الفن، وتفسيرات الخبرة الإنسانية.
الفن الجديد ينظر إلى ما عهدناه من فنون فيراه يتحلل ويتهشم، وقد يسهم بقوة في تفكيكه لبناء النظرة الجديدة التي تدعم الثقافة الإنسانية الجديدة، والحقيقة أن الفنون مهما تعددت أساليبها وتوجهاتها وأفكارها فإنها مازالت صفة ملازمة للإنسان، ولوجوده المتبدل من عالم إلى آخر، ولحاجتنا للسمو دائماً من حقيقة إلى أخرى.
* والفن برأي النحات جابر أسعد بحاجة للحرية، والشللية تقوض تلك الحرية وتفسد الحالات الإبداعية....فيقول: على مستوى الملتقيات هناك إحساس بوجود شللية بحيث تتم الدعوات المتكررة لنفس الفنانين و إشراك عدد قليل من الخلف على مستوى المعارض ربما أقل لأنها تستوعب فنانين أكثر، فهذه مسؤولية القائمين على الملتقيات والمعارض.
أنا أرى أن الموضوعات تتكرر بين الخلف والسلف مع وجود تحرر واضح بطرح الموضوعات الفنية لدى الفنانين الشباب.
إن الناس لا يمكن أن تتعاطف إلا مع الفن الذي تجد فيه شيئاً منها ويجب الإفصاح عن أي شيء يحمل القيم التعبيرية والجمالية.
* وبدوره يرفض النحات والناقد غازي عانا المحسوببِّات والشللية ويدعو إلى الاختيار العادل والإنصاف للفن الحقيقي حيث يقول: من الملاحظ في كل ساحات الإبداع وبخاصة في المشهد التشكيلي السوري أو العربي عموماً وجود هذه الحالة من التمايز بين الأجيال، كما هي الحال في معظم دول العالم، باتت هناك أسماء متداولة لامعة تحتكر الاهتمام وتتلقّى الدعوات من أكثر التظاهرات الفنية كالملتقيات والمعارض الدولية، مع الاعتراف بوجود فنانين أصغر عمراً وأقل شهرة وأكثر إبداعاً، وحتى ثقافة في كثير من الأحيان، ولولا وجود هؤلاء الفنانين الشباب لما تطوّر الفن واستمر الإبداع في تلك الدول، لكونهم وبأفكارهم وحيويتهم يشكلون دائماً الرافد الحقيقي للجيل المخضرم يُغنون بتجاربهم التي غالباً ما تتسم بالجرأة والتجريب تلك الحالة التشكيلية بهذا التنوّع من أشكال التعبير والجماليات.
إن ثقة الجهات الداعية بمثل تلك التظاهرات ومعرفتها المسبقة بتلك الأسماء اللامعة تؤكّد عدم رغبتها بالمغامرة بأسماء فنانين شباب، وبرأيي إن اللجنة المشرفة على الدعوات، وهم دائماً من الفنانين المخضرمين لها دائماً حساباتها من حيث تبادل الدعوة ( الشللية)، وهذا ما يبرّر تكرار التجارب وتشابهها من حيث الصياغات والموضوع وهذا ما يُضعف مستوى المشاركات عموماً .
وختاماً نرى أن الفن رسالة إنسانية جمالية يجب أن نساهم في إيصالها بأرقى صورة لأن ساحات الإبداع واسعة وهناك أماكن العمل للجميع.

نور نديم عمران

 


طباعة   البريد الإلكتروني