الأســـــــــطورة والشـــــــــعر

العدد: 9361

الأحد-9-6-2019

 

 


الأسطورة ابنة العصور التي تغيب في ثنايا التاريخ والدهور، اخترعها الإنسان لتفسير الكثير من الظواهر، والزمن الأسطوري لا يعترف بالحواجز ويسقط المسافات والأبعاد من سياقه، وهو زمن غير أصلي تتابع أحداثه بشكل غير محدد، ويختلف عن الزمن التاريخي بمستوياته ذات المعالم الواضحة(الماضي – الحاضر-المستقبل) وتلفه هالة من عدم المنطق والغموض.
الإنسان منذ القديم يتطلع ببصره إلى الكون وما حوى، والفضاء وما طوى عبر حداء العصور وقوافل القرون، ويتساءل عن السماوات كيف قامت والنجوم كيف سارت، وقد تسللت الأسطورة إلى الوعي الباطن للبشر لتشكل أرضية لمعرفة متجددة، وهناك علاقة وشيجة من الترابط والتداخل بين الأسطورة والحكم والدين، وتماهت الحدود بينهم في حالات كثيرة، وقدمت الأساطير مادة غنية للأجناس الأدبية كلها بما تضمنته لغتها الرشيقة ونصوصها السلسة من عزاء لعذابات البشر وهزائمهم وانكساراتهم.
الأسطورة رفدت الشعر بالكثير من المعاني الغريبة المتصلة بالقصائد والأفكار واستحضار الشخصيات الهاربة من الذكرى، وجاءت استجابة لحاجات مادية وموضوعية ملحة، حيث عبر الشعراء عن بعض الأحداث رمزياً حين لم يستطيعوا البوح بأفكارهم بصورة مباشرة بدافع الخوف ولم يجدوا وسيلة للبوح سوى التعلق بالرموز والأساطير وأعطت القصيدة عمقاً أكثر من عمقها الظاهر ونقلها من المستوى الشخصي الذاتي إلى مستوى عام وحفر القصيدة في التاريخ.
ظهر الشعر العباسي كنموذج حضاري منصهر في بوتقة ثقافة عميقة تناهت إلى شعرائه الذين امتاز شعرهم بالحكايات الأسطورية ووصف ورثاء الممالك الزائلة والآثار واتسمت معانيهم بالمسحة الجمالية والرموز العميقة التي تشفٌّ ولا تُظهر بشكل مكثف ما فيها، يمزجون بين الإطار الملحمي للأحداث في دلالاتها الفكرية والعامة والإطار التقليدي للسياق العام لدرجة وصلت لتعقيد التعبير من خلال التأويل المأساوي للأساطير التي يكون لها ثمنها الباهظ أحياناً، فقد انعكست على صورة المرأة وحولتها إلى كائن غريب الصورة والطبع وباتت رمزاً أسطورياً نافراً وناشزاً، فبعد أن كانت رمزاً للحسن والجمال غدت في العصر العباسي رمزاً للقبح والبشاعة والشناعة
وقد قرنها الشعراء العباسيون
بصور الحيوانات الأسطورية القبيحة، كالغول الذي يفتك ويهلك الإنسان وقرنوها بالشيطان الذي هو رمز للشر والأذى.
الحقل المعرفي للمجتمعات الشرقية وعاء خرافة وأسطورة وتصوف دين، وعند الإغريق والرومان فلسفة وميتافيزيقيا، ثم تطورت ثقافة الشرق من الأساطير إلى الأديان والرسالات السماوية لتكون للخالق وحده ودخلت الأسطورة إلى القصيدة لإعطاء المفاهيم والتصورات بعداً شخصياً، وإعطاء المضمون بعداً كونياً للتخلص من الزمن وتعطيله والتعبير عن رغبة الشاعر في التطهر والتجدد، وقد استلهم الشعر العربي الأساطير الفرعونية وأساطير بلاد الرافدين والأساطير السورية القديمة، كما تم توظيف مختلف الأساطير التي تنتمي إلى تراث المنطقة وما وفد إليها واستدعاء الشخصيات التراثية العربية (مسيحية – إسلامية) واستخدامها كأدوات فنية وأقنعة ورموز ومرايا، استلهمت القصيدة الحديثة الأسطورة وأعطتها بعداً بنيوياً وشعورياً ودخلت فضاءات نصوص الشعراء حكايا مثل (رع – إيزيس – إنانا – عشتار – جلجامش – بعل – عنات – إيكيدو – وغيرها) كرمز للتقاليد والقيم الأصيلة واللغة والأفكار التي تعبر عن الثقافة والحيوية الوطنية، وعلى انبعاث الحياة والأمة العربية بعد نكبة فلسطين، وقد استخدم بدر شاكر السياب أسطورة الانبعاث والنماء في قصيدته الشهيرة (أنشودة المطر)، كما استلهم أسطورة (سريروس) في قصيدته (سريروس في بابل) للإشارة إلى شخصية الطاغية عبد الكريم قاسم الذي كان يحكم العراق حينها، كما قام أدونيس باستلهام أسطورة سيزيف في قصيدته (الإله الميت).
أصبح نيرون أسطورة بعد أن كان نموذجاً لأسوأ ما خلق على وجه البسيطة من حكام، ولا أحد ينكر عبقريته في الطغيان والاستبداد والاستحواذ والاستفزاز، وقد قيل الكثير عن دموعه التي ذرفها لأنه لم يستطع أن يجبر الشمس على الشروق من الغرب.

نعمان ابراهيم حميشة


طباعة   البريد الإلكتروني