قارورة عطر ... إلى الشاعر والأديب الراحل الأستاذ إبراهيم أحمد منصور

العدد: 9290

12-2-2019

 


جئت إليكم مودعاً، الأديب في آدابه، والمفكر في علومه وأفكاره، والشاعر في قصائده وقوافيه.
جئت حاملاً ذكرياتي في قارورة عطر عمرها قرن من الزمن أرشفها فوق هذا الأديم بين سهول وجبال من أجل أن يبقى التذكار مغلفاً بالأقوالِ وصدق الرجال..
قارورة عطر. .
جاءت من ذاك البيت الأمين، أريجها على أرضٍ لن تبور في أحضان الياسمين، تحمل زهراتها أعباءَ السنين وألوان الشوق والحنين تنشره على براعم الطفولة من بنات وبنين، حول صخور يلفّها الريحان والسنديان وفي ظلاله عناقيد عنب وتين وزيتون ورمان في قرية صغيرة مساحتها، كبيرة بعلمها وآدابها، متمسكة بعلمائها وأصالتها وإنسانية سكانها.
قارورة عطر. . عطرت الأيام بعبقها، نشرته في ليلة يسري الضوء في أحضانها فكان الأدب والشعر يظهر على وجه وسيم القسمات ملوناً بألوان مقدساتها الطاهرة، ويزهو بالكلمة الخالدة من وصايا الآباء والأجداد.
كانت وصاياهم شعلة نور في ليل بهيم، وأصواتهم أنغام ناي حزين في جوّ عابس سديم يعمّه الهدوء والسكون بين صفحات كتاب قديم، حروفه تنادي الجديدين ليبقى الشعر والأدب الرصين لغة العلم والأخلاق والكنز الدفين حرّة في هذا الكون الأمين.
أيها الشاعر. . أتاك الشعر منصوراً ومنتصراً، عبقري الخيال متعدد الخصال، طارت إليك الموهبة بين القوادم والقوافي وأنت على المنابر مسترسلاً بما تقول: بين حين، وحين تقلّد العذارى أطواق الياقوت فوق الصدور وتاجاً على رؤوس المحبين.
إنه الشاعر، يأخذك بقامته الشامخة وابتسامته المشرقة، يغمرك بحبه وعطفه وإنسانيته، خياله خصب في معانيه، يجعلك في حيرة بين القصيدة وما تحوي من الإبداع، عرف الجمال بكل أبعاده وجعله عطره الباقي في حياته..
بصيرته فعّالة وقّادة تدرك كُنه الأشياء بعين ريّانة من خلال الصورة الشعرية بشكلها ومضمونها مترنحاً بأوزانها يُبدعها لوحة متكاملة في أبعادها الحسّية والنفسية، مستعيناً بعوامل الزمن.
عاش في مجتمع طبقاته متنوعة بملكته العقلية التي قادته إلى ما يبتغي ويريد.
كتب الشعر بإحساس رقيق، وإبداع عميق يعطي النغمة والصورة للموضوع دون تكلّف وتعقيد، تجدها في قصائده المتعددة براقع ضوء على خطوط تحت ظلال شموع كانت تنطفئ ويظهر أحياناً في ربيع دائم العطاء وشلال علم تشرب منه الحياة.
أخذ العلم شعاراً وانطلق فيه إلى آخر أيامه في سبيل بناء الشخصية والنهوض بها.
كان حريصاً على اللغة العربية في كل مجالاتها رغم إتقانه بعض اللغات الأجنبية.
أيها الشاعر الراحل . . .
القارورة هنا اندثرت، وعطرها تصاعد وامتزج بدماء الشهداء وارتفعت، وفوق أجداثهم انتشرت وعلى أكتاف رجال الجيش العربي السوري تناثرت، وتورّدت وتفتحت، وراحت تقبّل الرؤوس والأقدام وتزرع الانتصار والحبّ والسلام للأمّة وقائدها السيّد الرّئيس بشار الأسد.

هاشم إبراهيم سعود


طباعة   البريد الإلكتروني