للســــيرة فضل على قارئهـــا

العدد: 9288

10-2-2019

إذا فسرنا كلمة سيرة ذاتية في مجتمعنا المحلي وجدناها قليلة الاستخدام على عكس الدول الأخرى ولكن قريباً من الحد الذي نعرفها به والأكثر شيوعاً لها في مجال سوق الاختصاصيين باللغة الذين درسوا عن حياة كاتب أو أديب أو شاعر والتي تشمل أيضاً مجال سوق العمل؛ والتي يستخدمها كتعبير عن مهاراته وشهاداته العلمية ومعلومات تخصه للحصول على شاغر وظيفي، وفيما يخص شعبيتها ومعرفة الناس بها بحثنا بين عدد من المثقفين في مجالات متناقضة على اختلاف اختصاصاتهم وكان الإجماع بينهم على أهمية السيرة الذاتية وعلى حبهم لقراءتها رغم محدودية وقلة المهتمين المتابعين لهذا النوع من الفنون الأدبية.

وقدمت لنا الدكتورة غيثاء قادرة، دكتورة في اللغة العربية، تعريفاً للسيرة الذاتية حسب دراستها اللغوية بأنّها فن أدبي يتحدث فيها الكاتب عن تجربته الإبداعية وتركز على حياة الفرد وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة، ويستهوي هذا الفن فئة كبيرة من القراء ولاسيما رجال الحكم والسياسة وكبار الأدباء والشعراء والفنانين والمقاومين الذين تركوا أثراً في الحياة، بعضهم أطلق عليه السيرة الذاتية اسم «التذويت» وهو مصطلح نقدي يرصد وجود الذات في الفن الأدبي، وقد شهدت «السيرة الذاتية» اهتماماً لافتاً من الباحثين الغربيين رغم تداخلها على المستوى التقني بالرواية فيما يتعلق بالتقنيات السردية كضمير المتكلم، والزمان والمكان، والشخصية والخيال الذي تعتمده الذات المبدعة جسراً تمتطيه لإيصال فكرتها .
فمن يحق له كتابة هذا النوع الأدبي؟ أجابت الدكتورة قادرة:
لا يحق لأي كان كتابتها إلاّ من امتلك ناصية اللغة والفكر والعمل والحضور على مشارف الوجود، وهي ليست حكراً على أحد وليست متاحة لكل أحد، فمن يحق له كتابة السيرة الذاتية أو يحق له أن يكتب فيها يكون قد ترك إرثاً علمياً فكرياً ثقافياً عملياً نهضوياً يكون مقاوماً في العمل والسياسة والأدب .
ونوّهت الدكتورة قادرة إلى أنّ هذا النوع يقسم إلى: سير مثالية تعنى بإظهار صاحبها كشخص مثالي، وسيرة ذات حدث وتصف خبرات صاحب السيرة والحدث (الأحداث) التي مرّ بها في حياته خصوصاً الوظيفة، ومن خلالها يمكن استنتاج التاريخ وفي سؤالنا للدكتورة قادرة عن أشهر السير الذاتية التي أثارت فضولها؟
أجابت: أقرأ لمن أثر في سيرورتي في الحياة، أقرأ سير عمالقة في الأدب والتاريخ والمقاومة؛ وأهم ما في السيرة الذاتية هو الأثر الذي يتركه المبدع أو كاتب السيرة وصاحبها في آن في نفسية المتلقي على صعيد الواقع والحياة، وإن كان للتخيل أثره الواضح في الذات المتلقية فهو يقود إلى ما هو أكثر من التخيل بمعنى أنّي أقرأ مسيرة لشخص مهم عليّ أن أستفيد من ذلك من خطوات سار في إثرها .
فلهذا النوع الأدبي جوانب سلبية يقع بها كاتب السيرة الذاتية هو انصرافه إلى البحث عن ذات المبدع في نصه وإهمال التقنيات الروائية والتخيل وقد مال كثير من النقاد إلى دراسة كثير من الروايات بوصفها سيراً ذاتية كثلاثية حنّا مينه، بقايا صور، المستنقع والقطاف ويشترط لكتابتها ثقافة كاتبها وتجربته الحياتية وفلسفته التي تشكلت وصولاً إلى زمن والكتابة فهو يعيد صياغة ذاته وخلقها وفق بلاغة متحدثاً فيها عن ذاته التي هي آخر أهم كتاب السيرة الذاتية طه حسين كتاب «الأيام» وعباس محمود العقاد كتاب «سارة» وحسان عباس في كتابه «غربة الراعي» ومن أهم كتب السيرة الذاتية التي نصحت الدكتورة قادرة بقراءتها سيرة نيلسون مانديلا المناضل الإفريقي الراحل والتي تعدّ قطعة من الأدب الرفيع لشخص حمل شعلة النضال ضد العنصرية بشكل مباشر وتعطي فكرة عن تاريخ جنوب افريقيا المعاصرة كله في كتاب واحد .
فهل لهذا النوع شعبية ؟ أجابت الدكتورة قادرة: هذا النوع من الفن يصعب على معظم الكتاب خوضه لأنّها سيرورة حياتهم وتستعرض مواقفهم الإيجابية أو السلبية في بعض الصفحات وقد يصعب على القراء أحياناً تحملها لأنها إمّا أن تكون غاية في الوضوح فتبرر لهم جوانب خفية من شخصيات من يقرأون لهم أو يكون غاية في الاستخفاف بعقول قارئيها .
بينما أكدت الدكتورة سوسن الضرف، دكتورة في الأدب الفرنسي جامعة تشرين، بأنها مع كتابة السيرة الذاتية لأنها حق لكاتبها وإنتاج مميز بحد ذاته فهي تحمل كماً كبيراً من الجرأة والشجاعة .فبالنسبة للدكتورة سوسن كل من يجيد الكتابة ولديه الموهبة يمكنه الكتابة لكن بالعموم ارتبطت السيرة الذاتية بأسماء غاية في الشهرة والجاذبية وفيما يخص ذلك قالت الدكتورة الضرف: عادةً لا تشدنا سيرة ذاتية لأناس عاديين وإنّما نميل بالعموم لمعرفة المزيد من المشاهير بغض النظر عن مجالات حياتهم وعملهم فلكل شخص الحق بكتابة سيرته الذاتية لكنه لن يلقى النجاح إن لم يكن اسمه ملفت أو موضوع نقاش وشهرة، وهناك عبر تاريخ الأدب الكثير من السير الذاتية نجدها بشكل متواز في الأدبين الغربي والعربي، وفي الجانبين تأتي هذه السيرة لتضيف الكثير الى معلومات صاحبها، ولابدّ أن نلقي الضوء على جوانب مظلمة أو غامضة أو ببساطة لم تجد من قبل سبيلاً للظهور، ففي المجمل كتب العديد من الكتاب المشاهير سيرهم الذاتية في أواخر أيامهم لأسباب نجهلها وقد قرأت الدكتورة سوسن عبر دراساتها الكثير من هذه السير ففي الأدب العربي قرأت سيرة حياة عميد الأدب العربي طه حسين وتعدها الأفضل لأنها قدمت مزيجاً جميلاً من الصدق والموضوعية فقد أورد أصدق الصور لمعاناته وفقره فأتت هذه الصورة في غاية الجمال، يعود ذلك لموهبته المتميزة وقوّة تعابيره الأدبية . أمّا في الجانب الغربي فقد قرأت سيرة سلفادور دالي الرسام الإسباني الشهير والذي عرف عنه تفكيره الغريب، في مذكراته اتحاداً وصل حد الانصهار بين العبقرية والجنون، فقد تضمنت سيرته الذاتية كماً كبيراً من الصدق الغريب أضافت إلى ما نعرفه عنه من خلال لوحاته تفاصيل عن بدايات ميوله وأسباب اختياره لمجال الرسم كما اطلعت على سيرة مؤسسة دار أزياء شانيل الشهيرة كوكو شانيل فكانت سيرتها شبه صدمة لأنها أعطت فكرة عن ماض وطفولة لم تكن لتعرفهما لولا هذه الكتابة. وختمت قائلة: أنا مصرة على فكرة أن للسيرة الذاتية فضل على القارئ حيث أنها تشبع فضوله وتغني معرفته بكاتب أو شخص ما من الأشخاص العامة فتلقي دائماً ضوءاً جديداً وتمنح فرصة لمرافقته هذا الكاتب برحلة عبر الزمن فتقربنا منه أكثر، وهي في نهاية الأمر إنتاج فكري وأدبي يتميز بتفوقه على الأعمال الأخرى بأهمية صدقه وشفافيته. وحين سألنا الدكتورة بثينة شاهين، دكتورة في الأدب الإنكليزي، عن رأيها بكتابة هذا النوع الأدبي أعربت عن تأييدها لكتابة السيرة الذاتية وصرحت أعتقد أن السيرة الذاتية يجب أن تكون لشخصيات ذات حضور وتأثير اجتماعي أو علمي أو ثقافي أو ديني أو سياسي وشاركتنا الدكتورة بثينة بأشهر السير الذاتية التي قرأتها كانت شخصية عربية هي سيرة الإمام علي بن أبي طالب لأنها من الشخصيات المؤثرة ليست فقط دينياً ولكن اجتماعياً بكل مناحي الحياة، أشهر سيرة ذاتية قرأتها عن شخصية أجنبية هي سيرة نعوم شومسكي لأنه شخص عبقري لغوي وفيلسوف وسياسي وعالم وهو صاحب نظرية شهيرة جداً. وختمت الدكتورة بثينة قائلة: للسيرة الذاتية قيمة لأن المعلومات التي تظهرها تبرز العوامل التي أثرت على الشخص وطريقة تفكيره وإنتاجه ومساهماته وتظهر أيضاً إذا كان بالإمكان الاستفادة من تجربته.

رهام حبيب


طباعة   البريد الإلكتروني