الســـــير الذاتيـــة . . قصــــة حياة وســيرورة تاريــــخ

ثقافة

العدد: 9288

10-2-2019

زخر تاريخ الأدب العربي منذ القديم بآداب السيرة الذاتية، كتبها العديد من الأدباء والمفكرين حتى القادة السياسيين، ممن توفرت لديهم تجارب غنية وكان لهم دور مؤثر وعميق في الفكر والثقافة والحياة. وثّقوا حياتهم بدقة، وبتفاصيل كبيرة وصغيرة إيماناً منهم أن لكل تفصيل صغير قصة وعبرة، إنها نقل حقيقي، وترجمة صادقة لحياتهم ونقل صور واقعية عن عصرهم . السيرة الذاتية أشبه بالمرايا، حين نقف أمامها فهي تعكس بصدق ودقة صورتنا والسيرة الذاتية هي كشف مكونات النفس و خبايا الروح وكشف الحقائق بكل مصداقية وشفافية ووضوح، إنها فرصة لنخرج من ذاتنا لنقف موقفاً موضوعياً . وتعد السيرة الذتية إحدى أنواع الفنون الأدبية، ولعلها الأجمل، لكنها للأسف لم تأخذ حقها بشكل كاف في العالم العربي. لذلك أحببنا أن نتوقف عندها ونسأل أهل العلم والفكر والأدب حول هذا الفن فكان الآتي:

د. ريم هلال:
كلٌّ ينبغي له أن يخطَّ سيرته الذاتيّة، لأنَّ كلَّ حياةٍ فرديّة قصّةٌ تستحقُّ أن تُروى، ما بين طولٍ أو قصرٍ بحسب عُمُر صاحبها، بحسب تجربته وحدودها . لكن هل كلٌّ يمتلك الجرأة لسرد حقائقها؟ ويتّسم بما يكفي من الصدق، للبُعد ما أمكن عن الخيال؟ لا مكان للخيال في السيرة الذاتيّة، بل إنَّ موقعه هناك، في الرواية أو الأجناس الأدبيّة الأخرى .. وما أقرب - بهذا الصدد - السيرة الذاتيّة من التاريخ! هي تاريخ فردٍ، وهو تاريخ عصور . وبانتفاء الخيال عن السيرة الذاتيّة؛ فإنَّ هذا عنى، عدم تحدُّد أهميتها بحسب اسم الأديب، كبيراً كان أم صغيراً، فكم من أدباء كبار، تسطَّحت سِيَرهم وتفهَت، وكم من أدباء لم يكونوا معروفين في الأصل، ظهروا علينا فجأةً بسِيَرهم التي تعمّقَت وتجوهرت وشغلت القرّاء، لأن الأديب كما هو مفترَض، يكتب سيرته التي عاشها لا التي أبدعَها وأضاف إليها من عبقريّته . وبهذا أذكر أنني لم أجد في سيرة الشاعر التشيليّ نيرودا، والأديب النيجيريّ سوينكا المعروفَين، شيئاً ذا قيمة في سيرتيهما الذاتيّتين . كلُّ سيرةٍ ذاتيّةٍ جديرةٌ بأن تُروى، لكن بشرطِ الوضوح والدقّة اللذين كم يبدوان واضحَين في سِيَر الغربيين !


الكاتب والصحفي زهير جبور :
بداية يجب أن نفرق ما بين السيرة الذاتية والمذكرات، فالسيرة الذاتية تهتم بمسيرة الشخص وأهم النقاط الإيجابية في حياته، أما المذكرات، فهي تشمل كل شيء يمكن أن يؤرخه على الصفحات .
طبعاً العظماء يفكرون دائماً بالسيرة الذاتية لأنها ترصد وقائع من أعمالهم الخارقة، قادة الحروب, الساسة الكبار، من أعطوا شيئاً توقف عنده التاريخ ودرسه وحلله، وتأتي سيرتهم الذاتية أخيراً حسب تفكيرهم، لتخلد هذا العمل .
كما ينبغي أن نفصل بين السيرة الذاتية ومسألة الأدب، فليس من المفترض أن تكون السيرة الذاتية ذات طابع أدبي . وإذا ما غرقت الفكرة الأدبية بالسيرة الذاتية فسوف تنفيها، وإذا كان لابد، فينبغي أن يكون ثمة توازن بين الذات والأدب، بين الواقع والخيال .
كثيرون ممن حاولوا أن يجعلوا سيرتهم الذاتية على شكل رواية، لكنهم أغرقوها بتفاصيل تجدها الرواية فضفاضة عليها، فتأخذ طابعاً لا أدبياً، وتبقى محصورة بما هي فيه .
ولا بد أن لكل كاتب روائي شيء من شخصيته في الرواية، يمكن أن نكتشفه أثناء السرد . وهذا لا يعني بالضرورة سيرة ذاتية، بل هو في الواقع تجربة شخصية استفاد منها الكاتب من عمل روائي ما . وتبقى مسألة السيرة الذاتية مسألة شخصية تعود لقناعة المعني بها . فإن أرادها ذاتية بحتة فهي ستصب في شخصيته، وإن أراد أن يلونها بشيء من الأدب، فعليه أن يكون حريصاً كل الحرص على ألا يغرق الأدب بالذاتية السردية .
بالنسبة لتجربتي، لم أفكر بأن أكنب السيرة الذاتية، لكن هناك الكثير من المواقف والتجارب التي عشتها استفدت منها في أعمال روائية، أعتقد أنها صبت في الهدف المنشود، بعيداً عن السرد الذاتي .
الأديبة هدى وسوف:
تمثل السيرة الذاتية في عالم الأدب، سرد أحداث حقيقية وواقعية عاشها الأديب، وذلك بأسلوب أدبي مشوق . وهذا يشكل عامل جذب وإغواء للقراء، الذين تدفعهم الرغبة في معرفة الحياة الشخصية للكاتب، ولا سيما عندما يعلن الكاتب أنه يسرد أحداثاً معاشة، حقيقية، ليست من نسج الخيال .
يمكن أن نؤيد كتابة السيرة الذاتية في حال كانت تحوي على تجارب وخبرات مفيدة للقارئ، تدفع به وتحفّزه نحو الأمام، بحيث يكون صاحب السيرة قدوة للآخرين، ومثالاً إيجابياً يمكن تمثّله والاقتداء بأسلوبه وطريقة عيشه في الحياة . وفي الأدب العربي الكثير من الأمثلة، ولكن من أجمل ما قرأت عملين رائعين وهما سيرة ذاتية: رواية (طائر الحوم) للكاتب السوري المغترب حليم بركات، وهي سيرة ذاتية لطفولته وذكرياته في القرية وعوالمها الجميلة حدَ الوجع . وأيضاً رواية الكاتب يوسف الحمود (مفترق المطر) والتي يستمد منها القارئ الصبر والحكمة والمعرفة لكثير من القضايا الإنسانية التي تستحق التوقف عندها .
تحقق السيرة الذاتية للأشخاص الذين خاضوا معركة الحياة وهم عزّل وخرجوا منها منتصرين، خاضوها عزّلاً إلا من الإرادة القوية والمقومات الذاتية فقط، الذين ذاقوا المرارات وقاوموا الصعوبات وكافحوا في الدروب الوعرة معتمدين على قوة أرواحهم ورغبتها في إثبات ذاتها . مثل هؤلاء ليكتبوا سيرهم الذاتية، علّها تضيء دروباً ومساكن يقتدي بها الراغبون.

ريم ديب

الزيارات: 164
طباعة