يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع - اللاذقية

نديم محمد 00 الآلام والآمال

الوحدة
الثلاثاء 8 / 11 / 2005
ليست الكتابة عن الشاعر الكبير نديم محمد أمراً هيّناً 0

أولاً لقلة الكتابات النقدية التي تناولت شعره 00 وثانياً لغزارة الإنتاج الشعر الثرَّ , وثالثاً لكثرة المواضيع التي تناولها بدءاً من طفولته وحتى مماته 00فلا تكاد تمرّ لحظة لا يلتقط فيها صورة أو يبدع فيها قصيدة فقد نظم حياته كلّها شعراً.. حسب نديم محمّد في كل ذلك انه شاعر الشعر 0 نذر حياته ونفسه وكل ما يملك في سبيل الشعر..‏

- شاعر الشعر:‏

نديم محمّد وما أدراك ما نديم 00 قلت انه شاعر الآلام والآمال 00 لان نديم محمد في شعره ككل وشعره الوجداني على الاخص - ( اخترق محدودية المكان والزمان 00 إلى آفاق المشاعر الانسانية التي امتلك مفاتيحها بحسه الرهيف ومعاناته التأمليّة العميقة يرصد مكنوناتها في ألق ابداعي لم يجاره فيه معاصروه من الشعراء).‏

وتعدّ (آلامه) اكثر عمقا وتأثيراً واكتنازاً من ( آلام فيرتر للشاعر الالماني) (غوته) احد المستشرقين وهي ملحمة الملاحم الشعرية في عصرنا الحديث 00‏

أيها المشفقون لاتلمسوا الجرح بصدري فتوقظوا كبريائي 0‏

- تعليمه:‏

من تحت يدي المقرىء الشيخ سليمان الخطيب إلى مدرسة ( العنازة ) لصاحبها الشيخ علي العباس الذي حفَّظه قواعد اللغة العربية للشرتوني إلى تجهيز ( الفرير ) اي ( الاخوة ) في اللاذقية سنة 1921 لينتقل بعدها إلى جبلة إلى قريته ( عين شقاق ) ثم ينال الشهادة الاعدادية سنة 1925 وفي سنه 1926 تضمّه جدران العلمانية (اللاييك) في بيروت وبعد سنة من ذلك التاريخ يقوده القدر إلى (مونبيليه) في فرنسا لاتمام الدراسة الثانوية والحصول من بعد ذلك على اجازة الآداب الفرنسية 0 وبعد ذلك يذهب إلى سويسرا لدراسة الحقوق.. وفي ( برن ) العاصمة يتصل به القنصل الفرنسي ويدور بينهما حديث كان من عقباه إنذار من السلطات السويسرية بإرجاعه إلى سورية في حزيران من سنة 1930 .‏

- الوظيفة:‏

دعت الضرورة في محكمة الصلح باللاذقية إلى تعيين شاب يتقن الفرنسية فيعين كاتبا في دائرة الاجراء ويدهش قاضي الصلح ( ديتروبريان) فهو لايحتاج في جميع قراراته إلا إلى التوقيع فيستقيل ليعين بغير رضائه امينا لسرّ المحافظة احسان الجابري سنة 1933 ويحل محل الجابري السيد شوكة العباس 00‏

فطلب الاستقالة ويرفض الطلب 00 ولكن يلغى اعتماده من الموازنة ويغلق باب غرفته ويرفع منها جهاز الهاتف امعانا (وبما يسميه الشاعر) بالتشفي.. ويرسل إلى صافيتا.. ومن صافيتا يهرب إلى بيروت فيسّرح ويستقرّ اخيراً في الضيعة منصرفاً إلى الشرب والشعر والصيد 00 ويدعى بعد ذلك ليعين وبغير علمه مراقباً في مؤسسة الميرة ويدعى إلى مباشرة عمله فيشترط معاملة الجميع بروح القانون والحق.. ولا يكون ذلك فيستقيل. ويولى الامير مصطفى الشهابي محافظاً على اللاذقية فيصدر قراراً بتعيينه مديراً لناحية (حزور) فيرد بهذه الأبيات‏

أجزاء صومي في شريعة مصطفى أني على شر المآكل أفطر‏

صبراً فما أمري عليّ بغمّة دول تدول وفائز من يصبر‏

إني لاوثر أن أموت ولا أرى من كنت آمره عليّ يؤمرُ‏

وكان قائمقام القضاء يومئذ رجلا غير اهل لمركزه ويعاد تعيينه مدير ناحية مرتبطا إلى حين بديوان المحافظة ثمّ ينقل مديرا لناحية (الشيخ بدر) ويفقد أخاه الاصغر سنه 1948 فيكون لهذا الجرح اثره العميق في حياته..‏

- مرضه:‏

في سنه 9491 ادخل الشاعر مصح (بحنّس) في لبنان مريضا بالتدرن الرئوي المتطوّر سرطانيا بزعم الاطباء. وبشفى بعكس ما قرّر الاطباء.. ويعود إلى اللاذقية فيسّرح من الوظيفة سنة 1951 وبعد سنوات يعيّن رئيساً للمركز الثقافي في(الحفة) ثمّ خبيراً ثقافياً في وزارة الاعلام بعقد اتفاق.. ويعاوده المرض فيداوى في مشفى (المواساة) بدمشق..‏

يقول عن نفسه (عشت منصفاً للجار والصديق والقريب ولكنني لم اكن انصف من أحد !.. أنا لا أريد من الدنيا الاّ أن تتركني 0 كما انا 0 معذباً 00 شقيّا !).‏

حشرجة الاحتضار الاخيرة له على فراش الرحيل كانت هذين البيتين:‏

سيذكرني غداً أهلي كثيرا ويسأل بعضهم عني طويلا‏

فلن يجدوا وإن راحوا وجاؤوا ولن يهدوا إلى عندي سبيلا‏

- حادثة بعيدة :‏

أعدّ الشاعر قصيدة مطوّلة تجاوزت الاربعين بيتاً ايام كان في مدرسة ( اللاّييك ) في بيروت لتلقى في ذكرى شهداء العرب 5/6/1926 ولما جاء دوره كما يقول الشاعر وصعد المنبر لم يأبه له الناس لصغر سنه.. وكان الجوّ حاراً.. فانصرفوا وبقي على المنبر ليستمع رفاقه التلاميذ ولا احد غيرهم ومن هذه القصيدة نقتطف :‏

عذرت دمع الناس فلينسكب وليعذروا دمعي, فلن يسكبا‏

اثمن من أدمعنا كلها دم طليل في الثرى غيبا‏

بيني وبين المجد أن رمته ما ابعد المجد وما اقربا‏

وكل من جاهد في امّة مظلومة, سن الردى مذهبا‏

- حول الشعر الجديد :‏

في مقاله 00 أو رأي 0 أو حكم سمّه ما شئت 00 يدرس (الحالة) الشعرية المعاصرة ( الحادثة ) دراسة وافية من جميع جوانبها الادبية والمعرفية والابداعية والسياسية ويعطي هذا الحكم الاكمل لما جال وصال حول الشعر الحديث فيقول :‏

في واقع الاطار 00 والصورة وجه طفل هزيل بعض خلقه مشوّه يراد له أن يكون بنيان رجل ممتلىء عافية و00 انسانا في احسن تقويم 00‏

وهو الشعر الجديد في دربه إلى المستقبل كلمة وصورة ومعنى. تطور فكري تام. وعمل ثقافي جاهد لتخطي مرحلة زمنية وتجاوزها لغة وموضوعا 00 إلى افق ابعد ومستوى اعلى 00 من الغنى الادبي والترف الجمالي على أن يشق الدرب إلى هذه الغايات الغنية بعض الكبار من الشعراء المبدعين 00‏

ومن الوجه السياسي : فالشعر ايّاه بملامحه واشكاله الحاضرة: إلهية زمنية تلقي بها السلطات العالمية بين ايدي شبابنا لتوقف ادراكهم. وتسمر وعيهم فلا تكبر ثقافتهم فتأمن بذلك اكبر خطر يهدد نفوذيها السياسي والمادي 0‏

- الرثائيات:‏

أجيء على ذكر هذا اللون من الوانه الابداعية لان احدا لم يتطرق إلى دراسة هذا الفن عند شاعرنا الكبير ولم يعرف عنه انه كان شاعرا رثائيا فلم يصعد منبرا , ولم يأبن احدا 00 فقد كان يرثي اصدقاءه واحبابه ومن يكن عنده محط ثقة واعجاب يبدع القصيدة ويدعها طي الاوراق والادراج إلى أن نشرت في المجلد الخامس الذي اصدرته وزارة الاعلام مع مجموعاته الشعرية الاخرى ويتمايز فن الرثاء عند شاعرنا بلمساته الفنية والابداعية التي تأخذك إلى عالمه المعرفي وآرائه الفلسفية, ومنطقه, وعمقه وتدفقه وما يتناوله في القصيدة الملحمة من التاريخ والحياة والموت ومصير الانسان إلى ما هنالك من التفكير والتحيّر 00‏

خذ مثلاً رثاءه للعلامة الشيخ عيد الصالح:‏

هو عرس الحياة في موطن الخلد وروح مردودة من جديد‏

يومك اليوم للنعيم 0 وللدنيا سواء 00 لمأتم ولعيد‏

عالم الخلد بيت أَمسك فانزل منه في نعمة وعيش رغيد‏

لو سألت المزيد من حاجة العمر لأعطيت فوق ظن المزيد‏

أنزل الله فيك آيته الكبرى وأوحى إليك سر الوجود‏

وقصيدة الملحمة في رثاء العلامة الشيح سليمان الاحمد:‏

نور على السدر المندى يخفق وصباً تراوحه وطيب يعبق‏

في كل مسفح رنوة ٍ وتلفتٍ صفو يظلهما وحسن مشرق‏

واسمع , فمذرور النسيم على الربى لحن يرف معطرٌ متأنق‏

- معارضة شعرية:‏

عندما سمع الشاعر نديم محمّد قصيدة الجواهري ( ياجبهة المجد ) تحركت في نفسه اشياء فقال هذه القصيدة العملاقة بعنوان (كفرت بالشعر) والكل سمع وقرأ قصيدة الجواهري التي يقول فيها:‏

شممت تربك لا زلفى ولا ملقا وسرت قصدك لا خبا ولا مزقا‏

وما وجدت إلى لقياك منعطفا إلا إليك ولا ألفيت مفترقا‏

كنت الطريق إلى هاو تنازعه نفس تسد عليه دونها الطرقا‏

وكان قلبي إلى رؤياك باصرتي حتى اتهمت عليك العين والحدقا‏

فيبدع شاعرنا نديم محمد قصيدته على نفس الوزن والقافية ولكن دون أن ينشرها في حينها وليته قد فعل لنرى ما كان سيقوله الجواهري 00?!‏

فإلى قصيدة نديم :‏

لا يكذب الشعر لن نخطر به غصباً يملي علينا ولم نعظم به ملقا‏

ضوَّأت في ليله قلبي وطفت به جنان عبقر سكران المنى عشقا‏

فعاد شعري إلى قدسي معبده طهراً وبالوحي والإبداع مندهقا‏

مالي 00 وما كان ثوبي لا أبدله وان تهرأ من حولي وان خلقا‏

من ترب ارضي ومن عنقود داليتي خمري ودني وما زالا وما افترقا‏

ولعلي بهذه المقالة احرّك مياه الثقافة النقدية الراكدة فيتحسس ناقد أو باحث أو استاذ جامعي في كلية الآداب فيبعث قصائد الشاعر الكبير نديم محّمد من غفوتنا عنها توقظ هممنا وتزيل همومنا ونكون قد قدمنا للشاعرنا هديّة بعد وفاته لاننا لم نقدم له شيئا في حياته 00 فمن عنده الصبر والمجاهدة والمكاشفة والرؤية النقديّة الاسلم والانفع ?!!‏

 

 

E - mail: wehda@thawra.com

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية