تفردها كقطب أوحد باصطناع حرب العراق الأولى أو الخليج الثانية. بما يذكرنا باصطناعها لقائمة من الحروب السابقة ومنها الحرب الكورية في الخمسينيات. مع فارق الغياب الراهن للاتحاد السوفيتي,بعد سقوطه, مما أتاح للولايات المتحدة جني ثمار حروب ما بعد سقوط الشيوعية دون منازع. وبعده طرح الأميركيون مصطلح العولمة بدلالته الاقتصادية (عولمة اقتصاد السوق الأميركية) بدعم نموذج "النمور الآسيوية" كمثال على الأرباح التي تجنيها الدول النامية أن هي انخرطت في نظام السوق. وهكذا هرولت دول عديدة نحو العولمة لتكتشف لاحقاً عبثية هذه العولمة والخسارة الناجمة عنها ولكن بعد فوات الأوان. ثم جاءت حجة الدفاع عن القيم الغربية المتجلية في حرب كوسوفو. حيث لم تكن اعتراضات ميلوسوفيتش على شروط السلام الأميركية سوى اعتراضات شكلية. لكن الوسيط أميركي ترجمها رفضاً. بما يعكس نية أميركية مبيتة لاصطناع حرب جديدة. لكن قيادة كلينتون لتلك الحرب كانت أقل صلفاً وتحدياً للمشاعر من سابقه بوش الأب. فقد خاض كلينتون تلك الحرب بدون استخدام أسلحة إستراتيجية. وليخرج من تلك الحرب بفائض في الميزانية الأميركية يبلغ 511 مليار دولار. وهو أضاف إليها مكسباً إستراتيجياً من الدرجة الأولى وهو مكسب تعديل إستراتيجية الحلف الأطلسي. وهو تعديل حول الحلف من الدفاع إلى حق التدخل في المناطق التي توجد فيها مصالح لدول الحلف أي أن نفوذه امتد إلى خارج دوله. هذا التعديل الذي انتزع من الأمم المتحدة دور تقرير السماح أو عدمه بالتدخلات العسكرية في مناطق محددة في العالم (حددتها اتفاقية التعديل وضمت الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقوقاز). بحيث باتت الولايات المتحدة طليقة اليد في تلك المناطق بمجرد إعلانها عن وجود مصالح لها فيها. وابتلع الأوروبيون الطعم بفضل دبلوماسية كلينتون ومرونته. حيث منحهم ضمناً حق التدخل في شمال إفريقيا وهي منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لأوروبا. إضافة إلى ربط التدخل الأميركي بموافقة أطلسية. لكن بوش , بذريعة 11 أيلول / الحرب على الإرهاب, تجاوز الأمم المتحدة ودول حلف الأطلسي ليشن حربه العراقية غير آبه بكل المعارضات العالمية لتلك الحرب. بما اعتبر إعلاناً صريحاً عن إطلاق مشروع أمركة العالم. حيث تتقدم المصالح الأميركية على كل الاعتبارات. من الأمم المتحدة إلى الحلف الأطلسي مروراً بالرأي العام العالمي والتكتلات الإقليمية وحتى أصدقاء أميركا السابقين.
لقد أظهرت أميركا بوش جملة إنفجارات هوسية وزعت عدوانيتها في جميع الاتجاهات مطلقة شعار الأمركة. بدلالة الأفضلية العالمية لخدمة المصالح الأميركية على أي اعتبار آخر. حيث مورست العدوانية الأميركية على الأصدقاء مثل فرنسا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي. إضافة للأصدقاء العرب المزمنين حتى أمكن القول بأن بوش أفقد أميركا أصدقاءها?!.
الأمركة بهذا المعنى هي فعل اعتداء ناجز ومخالفة صريحة للشرعية الدولية وللأحلاف. وهي بالتالي جريمة فمن هو المستفيد من هذه الجريمة?. المواطن الأميركي اكتشف فجأة أنه غير آمن. وهو يعيش أزمة اقتصادية تهدد مدخراته ورخائه وتعويضات تقاعده وتهديدات عجز في ميزانية بلاده. وبالتالي فإن هذا المواطن غير مستفيد!?. فمن هو المستفيد إذاً?.
إنها الشركات الأميركية الكبرى المفلسة منذ نهاية التسعينيات. والتي تحتال منذ ذلك التاريخ على مستثمريها فأصبح إنقاذها وإنقاذ السوق الأميركية يقتضي جولات من السطو على ثروات الآخرين. وكان النفط العراقي ,والعربي بعده, أسهل عمليات السطو وأسرعها فكانت الحرب العراقية. وهي غير كافية لإنقاذ السوق بما يستدعي إتباعها بجملة عمليات سطو لاحقة في المنطقة (قد لا تكون عسكرية بالضرورة). ومن هنا توزيع التهديدات الأميركية على دول المنطقة بدون استثناء.
أمام هذا الطابع الجرمي للأمركة حق لنا التساؤل عن سبل مواجهة هذه الأمركة. وهو تساؤل يستند إلى مقولة صينية تعود إلى زمن حرب الأفيون. وهي تقول: " :"...نعلم أنكم أيها البرابرة الإنكليز قد حملتم معكم وطورتم عادات وطباع الذئاب واستوليتم على الأمور بالقوة. وفي ما عدا سفنكم القاسية ونيران بنادقكم الوحشية وصواريخكم القوية, ما هي قدراتكم?".
وهي مقولة تستحق الوقوف عندها بمناسبة الهياج الهوسي الأميركي الراهن. وهي مقولة ترددها بشكل أو بآخر الشعوب المتضررة من الأمركة ومعها فصائل المعارضة العراقية وقسم لا بأس به من المنظمات المصنفة إرهابية من قبل أميركا!?.
حول مواجهة الأمركة وهذه المواضيع المتفرعة عنها صدر كتاب بهذا العنوان للباحث الدكتور محمد احمد النابلسي. وفيه يقدم اقتراحات فكرية نظرية لمواجهة الأمركة مستنداً إلى مراجعة نقدية - فكرية لمشاريع الأمركة. فهذه المواجهة تقتضي برأي المؤلف وجوب التعرف الدقيق إلى تفاصيل هذه المشاريع وخلفياتها وطموحاتها وأدواتها. حيث يجد النابلسي أنه من الضروري أن يضع بين يدي القارئ العربي نصوص هذه المشاريع مترجمة إلى العربية. إذ لا يجوز أن يسمع هذا القارئ بمشاريع مثل: تغيير الخارطة العربية وبمشروع الشراكة الأميركية مع الشرق الأوسط (مبادرة باول) ومشروع الحرب الإستباقية التي أرساها بول وولفويتز وتبناها بوش لتصبح "مبدأ بوش" وكذلك فرضية "الحرب الافتراضية" غير المعروفة على نطاق واسع لكنها كانت فاعلة في حرب العراق. بل أن تلك الحرب كانت أولى تطبيقات هذه الفرضية. كما لا يجوز أن توضع هذه النصوص أمام القارئ العربي بدون قراءة نقدية لها. ومثلها كتب تلعب دوراً هاماً في القرار الأميركي وفي تحرك المخابرات الأميركية في بلادنا. ومنها كتب فوكوياما "نهاية التاريخ" و"نهاية الإنسان" وكتاب ساوندرز المعنون " المخابرات في سوق الثقافة/ من يدفع للمزمرين ". الذي يشرح لنا كيف تقوم المخابرات بتصنيع قادة المجتمع في الدول النامية. كما استندت إلى جماعات المجتمع المدني المصنعة في مختبرات وكالة المخابرات الأميركية.
على أن مواجهة وحش الأمركة بطبعتها البوشية لا تقتصر على إشعال بعض النيران في وجهه (مقاومة شعبية) بل عليها التبصر باحتمال قيام قطب مواجه لأميركا وتبين ملامح هذا القطب المستقبلي. حيث يجد الباحث أن الصين هي المرشح الوحيد لهذا الدور. مما إقتضى التعريف بسيكولوجية السياسة الصينية وبسلوكها ويتوقف أمام إحتمالات بروز الصين وعلاقته بالأزمات الأميركية المعلنة والمتسربة. حيث خطورة هذه الأزمات تبلغ حدود حديث النابلسي عن قدوم زمن الفوضى الأميركي. وملامحه أزمة إقتصادية عارمة (فضائح إفلاس الشركات) وميليشيات نازية ومخالفات جرمية بحق القانون الدولي ومؤسساته كما بحق الإنسان.
ولا بد للمؤلف في هذا السياق من مناقشة مشروع بوش وإدارته. الذي قوبل بالتحفظ الشديد في البداية ليتحول إلى مشروع إنقاذي بمناسبة حوادث 11 أيلول وذيولها من حروب على الإرهاب. وأخيراً عودة التحفظات على هذا المشروع بعد فشله في إثبات فعاليته وبعد إنفجار المشاكل المترتبة على ثغراته وتسرعه في الحرب العراقية.
وينهي النابلسي كتابه بعرض لمصادمات الأمركة مع الخصوصيات الثقافية. حيث تسجل هذه الأخيرة إنتصارات مؤجلة. فهي تحتوي الأمركة ,والنفوذ الأميركي عامة, في فرنسا وروسيا والمانيا والصين وكوريا وسوريا وافغانستان والعراق وإيران وفلسطين. وهذا الإحتواء لا يتعجل المواجهة لإدراكه فارق تفوق القوة الأميركي الحالي. لذلك فإن هذا الإحتواء يأمل بإبتلاع الوحش الاميركي مع الوقت. حيث لا مكان للمتعجلين قبل انفجار كوارث الاقتصاد الاميركي التي باتت أقرب من التصور بحسب المؤلف.