يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع - اللاذقية
طباعةحفظ


الرقابة

الوحدة
تحقيقات
الأربعاء10/3/2010
د.محمد توفيق الأسد

تشغل عملية الرقابة بكل تفرعاتها الباحثين في قضايا الإدارة, كما تشغلهم مسائل أخرى ذات صلة بالعملية الإدارية. إلا أن ما يميز عملية الرقابة عن غيرها هو أنها تشغل العاملين جميعهم بكل مستوياتهم الإدارية, نظراً لصلتها المباشرة بأدائهم وأداء

مؤسساتهم, وتأثير موقفها من هذا الأداء على تلك المؤسسات وأولئك الأفراد بشكل حساس ومباشر. ويمكن القول: الرقابة عملية إدارية تهدف إلى التأكد من حسن إدارة المؤسسة تخطيطاً وتنفيذاً, بما يحقق مصلحتها, وبما يحقق تطبيق الإجراءات المنصوص عليها في القانون. والرقابة ليست غاية بذاتها, هي أداة لقياس مستوى الأداء ونوعيته: وبالتالي رفعه وتحسينه, وإذا كانت الرقابة توظف أحياناً بما لا يخدم أهدافها النبيلة, فذلك ليس لعيب فيها. ولا ينتقص من مكانتها وضرورتها. ولعلنا فيما يأتي نساهم في إضاءة جوانب تضع الرقابة في إطارها الصحيح من حيث: مفهومها و وظيفتها, وأهميتها, خطوات ممارستها, ضمانات فاعليتها. مفهوم ووظيفة الرقابة: لئن كان تحديد مفهوم الرقابة أو تعيين وظيفتها يختلف, حسب المدارس الإدارية من مدرسة إلى أخرى, فإنه من المتفق عليه أن يُستمد ذلك المفهوم وتُستمد تلك الوظيفة من خلال ما يناط بالرقابة من أعمال, وبالتالي يمكننا تحديد مفهوم الرقابة وتعيين وظيفتها بما يلي من أعمال تؤديها: 1- مراقبة الخطط الموضوعة, وتشمل ثلاث نقاط: - التأكد من أنها قابلة للتنفيذ في ضوء إمكانيات المؤسسة المتاحة أو المتوقعة. - التاكد من أنها تحقق مصلحة المؤسسة بالشكل الأمثل. - مراقبة البرنامج الزمني لتنفيذالخطط ومدى انسجامه مع حجم العمل المخطط. 2- مراقبة سير العمل في المؤسسة وفق الخطط المرسومة من حيث البرنامج الزمني وتالياً كلف الإنتاج وكميته ونوعيته, لأن أي انزياح في البرنامج الزمني فد يغير ظروف كلف الإنتاج لجهة أسعار أو توفر المواد الداخلة في عملية الإنتاج, ويمتد إلى احتمالات تغير أجور العمل وأجور النقل, إضافة إلى الأثر المحتمل على كميات الإنتاج, ذلك أن الانزياح في البرنامج الزمني قد يفوّت فرصة تصريف كميات من الإنتاج على المؤسسة المنتجة, وقد يعرّض المؤسسة في حال تأخرها عن تقديم منتجاتها أو عملها إلى غرامات تأخير أو أعباء مالية أخرى ومسؤوليات عقدية, وفي أقل تقدير سوف تتأثر سمعة المؤسسة في الأوساط الإدارية والإنتاجية والتسويقية. وإذا ما تراجعت ثقة تلك الأوساط بقدرات المؤسسة فسوف تتحول الأنظار إلى بدائل أخرى قد تهدد مستقبل المؤسسة ومستقبل إدارتها. 3- التأكد من أن أعمال المؤسسة تنفذ بأفضل الطرق, وتبيان نواحي الضعف والخطأ من اجل التصحيح ومنع التكرار, وبما ينسجم مع الأنظمة واللوائح الداخلية أو القوانين والقواعد التي تعمل المؤسسة في ظلها ضمن إطار الخطط المرسومة. ولابد هنا من الإشارة إلى مسألتين في غاية الأهمية: - ضرورة وضع معايير واضحة وصريحة لعمليات قياس وتقدير مسافات الانحراف, وتحديد النقاط التي يتم بموجبها إعطاء الأرجحية لطريقة دون أخرى. - وضع حدود فاصلة المعالم بين الحالة التي تكون الطريقة فيها صحيحة لكنها ليست الأفضل. والحالة التي تكون فيها الطريقة خاطئة ومخالفة. إذ يقتصر البحث في الحالة الأولى على أسباب عدم الوصول إلى الحالة الأفضل, مع ملاحظة منح مساحة من الحرية لأصحاب القرار في اختيار الطريقة التي يرونها مناسبة, وعدم محاسبتهم على عدم وصولهم إلى الطريقة الأفضل إذا كانت قراراتهم مبنية على أسس صحيحة, خلافاً لما هو الحال في الجانب الآخر من الحدود آنفة الذكر حيث تتموضع الحالات الخاطئة والمخالفة. 4- التأكد من أن أهداف المؤسسة والخطط الموضوعة لبلوغ هذه الأهداف يتم تنفيذها بشكل كافٍ استناداً إلى عملية قياس وتصحيح الأداء التي تجري أثناء العمل بكل مراحله وعلى جميع المستويات. 5- قياس النتائج الفعلية ومقارنتها بالخطط الموضوعة وفق المعايير المعتمدة, والوصول إلى أسباب التباين بين النتائج المحققة والنتائج المطلوبة, واتخاذ الإجراء اللازم لتصويب الخطأ, ومعالجة أسباب التباين. وتذهب المعالجة في ثلاثة محاور: إذ يجب في المحور الأول تأمين إمكانية متابعة العمل بما يحقق النتائج المطلوبة من خلال إجراءات مؤقتة ولو كانت استثنائية. وفي محور آخر يجب العمل على تفادي نتائج المرحلة السابقة ووضع السبل الكفيلة بعدم تأثر المؤسسة بتلك النتائج, أو تخفيفها إلى أقل ما يمكن. وفي المحور الثالث تنصب المعالجة على تدعيم آليات العمل وتأمين المراحل الزمنية اللاحقة بظروف وشروط عمل تحقق النتائج المطلوبة بنسب أمان عالية. 6- فحص صلاحية القوانين والأنظمة المعمول بها. والتوصية بتعديلها عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك. ومن الجدير بالذكر أن مثل هذا العمل لا يقل أهمية عن كل أعمال الرقابة الأخرى, لأن العمل بموجب قوانين وأنظمة غير صالحة يشكل تهديداً خطيراً, إن لم نقل الأشد خطورة على المؤسسة. ولا شك أن عملية فحص الأنظمة والقوانين يجب أن تكون مدروسة بشكل كاف وبحيث لا تتعرض المؤسسات لفوضى التشريعات. وبماء على ما تقدم يمكننا القول: إن الرقابة في المؤسسة هي مجموعة الأعمال المؤدية إلى التحقق من أن عمليات الإنتاج (السلع أو الخدمات) في تلك المؤسسة تسير بالكيفية المحددة لها, وفق الإجراءات القانونية السليمة التي تحكم العمل, وبما يحقق مصلحة المؤسسة, وأن التنفيذ يسير على الطريق الصحيحة باتجاه الأهداف المرسومة لنشاط المؤسسة. أهمية الرقابة: مع ازدياد حجم الأعمال في المؤسسات وتشعبه, وازدياد عدد العاملين فيها, واتساع مساحة نشاط كل مؤسسة, برزت أهمية متابعة ومراقبة نشاطات المؤسسة للتأكد من سير العمل فيها وفق الخطط والبرامج المعتمدة, وتحقيق الأهداف المرسومة, من خلال وضع ضوابط تضمن سير العمل بشكل سليم, واعتماد برامج مراقبة ومتابعة لتصحيح مسار العمل, ورصد الانحرافات ومعالجتها ثم إيجاد السبل الكفيلة بالمحافظة على المؤسسة وإمكانياتها وسمعتها واعتماد ضوابط الردع والمحاسبة. وعند أداء الرقابة لوظيفتها حسبما ذكرنا ووفق المفهوم آنف الذكر, فإن أهميتها في إدارة المؤسسة ونجاحها تتجلى في المسائل التالية: 1- حماية أموال المؤسسة, وضمان عدم العبث بها والاطمئنان لاستخدامها لما فيه مصلحة المؤسسة ولعدم وجود نفقات أو صرف أموال في غير محلها وصولاً إلى خفض نفقات الإنتاج والمحافظة على نوعيته وجودته. وبالتالي تمتع المؤسسة بقدرات تنافسية تؤهلها لكسب المزيد من النجاح. 2- حماية البنية التحتية للمؤسسة, والحفاظ على موارد المؤسسة وتجهيزاتها, وضمان آليات تطويرها بما ينسجم مع خطط المؤسسة وبرامج عملها. 3- الاطمئنان إلى أن قرارات المؤسسة تتخذ بصورة قانونية وتصب في مصلحة المؤسسة, وتنفذ بشكل صحيح وفي الوقت المناسب. 4- ضمان قانونية الأعمال الإدارية والمالية المتعلقة بالمؤسسة ككل, وبالعملية الإنتاجية على وجه الخصوص, وذلك من خلال القوانين والأنظمة التي تضبط عمل المؤسسة. 5- ضمان صحة سير العملية الإنتاجية في المؤسسة من الناحية الفنية وفق المعايير العلمية المعتمدة والمقررة في النظام الذي تعمل المؤسسة في إطاره. 6- الاستفادة من الزمن في الحدود العظمى, واستثماره بالشكل الأمثل, من خلال اعتماد برامج أعمال محددة الخطوات ومعينة الزمن بالصورة القابلة للتنفيذ, ومتابعة التنفيذ بشكل دقيق من حيث الخطوات الواجب تنفيذها والزمن المحدد لها. 7- حماية الثقة بالمؤسسة, إذ أن تأدية الرقابة لوظيفتها بالصورة التي سبق تبيانها يعزز مصداقية المؤسسة في تنفيذ خططها والحفاظ على الدور المنوط بها في العملية الإنتاجية على مستوى قطاع الإنتاج, وعلى المستوى الوطني في كثير من الأحيان, بل إن تأدية الرقابة لوظيفتها بشكل صحيح بدفع باتجاه تنمية وتطوير ذلك الدور, ما يعني تحصين الاقتصاد الوطني وعدم المساس بسلامته باعتبار أن المؤسسة كيان متفاعل مع محيطه وبيئته الخارجية. 8- تطوير القوانين والأنظمة النافذة واللوائح الداخلية بما ينسجم مع حركة العمل في ظل التطورات والتغيرات الاقتصادية والسياسية والتجارية على الصعيدين المحلي والمالي, إضافة لما في ذلك من دور لتطور التكنولوجيا وما تقدمه الاكتشافات العلمية. خطوات ممارسة الرقابة: 1- اعتماد المعايير المناسبة والموضوعية: يجب على الجهات الرقابية قبل إجراء الرقابة وضع معايير محددة لقياس الأداء مستمدة من لوائحها الداخلية, على أن تكون منسجمة مع القوانين الناظمة لعمل الرقابة والتي تتبناها الدولة في إطار سياساتها العامة. ويجب أن تلحظ تلك المعايير المعتمدة الظروف الاقتصادية التي تعيش في ظلها الجهات الخاضعة للرقابة, وكذلك ظروف العمل والإنتاج وتأمين المواد الأولية والتسويق وظروف تصريف المنتجات. وتأخذ هذه المعايير في بعض الأحيان بالكم حيث يتحدد ذلك الكم بشكل أرقام تتعلق بالإنتاج (سلع أو خدمات) أو تكون الأرقام حسابية مالية, توازن بين العمليات الحسابية في الإيرادات والنفقات, وتبين مدى تطابق بيانات الإيرادات أو النفقات الفعلي مع البيانات الدفترية من جهة, ومع ما تقتضيه مصلحة المؤسسة من جهة ثانية, وينسحب الأمر ذاته على مخزون المستودعات لجهة التطابق الفعلي مع البيانات الدفترية, والتأكد من صحة عملية حركة المواد ووقوعها في دائرة مصلحة الجهة صاحبة الشأن. ويمكن أن تعتمد أيضاً المعايير النوعية التي تتعلق بنوعية وجودة الإنتاج (سلع أو خدمات) ويحتاج وضع واعتماد المعايير النوعية إلى دقة وخبرة في مجال الإنتاج نفسه. على أن ما يجب أن تتصف به تلك المعايير بشكل عام هو الوضوح والدقة والقدرة على إعطاء النتائج الصحيحة والسليمة بشكل كامل, لأن المعايير التي تقدم نتائج منقوصة, ولو كانت صحيحة, تكون غير مجدية, بل قد تكون ضارة في كثير من الأحيان. ويختلط الأمر عند الكثيرين لجهة وحدة المعايير أو تعددها, وفي هذا المجال لا بد من التفريق بين وجوب الوقوف على مسافة واحدة من الجهات الخاضعة للرقابة فلا تتعدد المعايير هنا, وبين لحظ خصوصية قطاعات الإنتاج المختلفة والتعامل معها بما يتناسب مع تلك الخصوصية. فلا يمكن توحيد معايير القياس والأداء في قطاعات الإنتاج بكل أصنافها وأنواعها. 2- تقييم الأداء الفعلي: تتصل مسألة تقييم الأداء الفعلي بمجمل آليات عملية الرقابة. وتبرز هنا أهمية الرقابة المسبقة والرقابة الآنية, إذ أن الغاية من عملية الرقابة ليست انتظار الخطأ لحين وقوعه ثم العمل على إصلاحه ومحاسبة المسؤولين عنه, بل يجب أن تعمل الرقابة على مساعدة العاملين للسير بشكل صحيح من خلال التوضيح والإشارة إلى الأماكن المرشحة لوقوع الانحرافات فيها, وهو ما يعرف بالرقابة الوقائية, وتؤدي الرقابة الآنية المرافقة للعمل دوراً مهماً في تحييد العمليات الإنتاجية والإدارية والمالية عن الوقوع في الخطأ, من خلال المواكبة المستمرة لتلك العمليات ثم تأتي الرقابة اللاحقة التي تنجم عنها عملية الإصلاح والمحاسبة, لتقدم نتائج عملية الرقابة من خلال مقارنة الواقع مع ما يجب أن يكون, استناداً إلى معايير القياس المعتمدة. ويعتبر تقييم الأداء الفعلي جوهر عملية الرقابة, ويتضمن مقارنته مع ما هو مخطط وفق المعايير المعتمدة والموضوعة مسبقاً, أي العمل بمقياس المعايير الموضوعة لقياس أداء المؤسسة كأفراد أو كعملية إنتاجية متكاملة, وبالتالي يمكن معرفة مدى التطابق أو حجم الانحراف بين المخطط والمنفذ وتبرز أيضاً نوعية ذلك الانحراف, وهو ما يؤسس لأسلوب المعالجة الذي سيعتمد فيما بعد, بما في ذلك المحاسبة. 3- تحديد أسباب الانحراف: عند التوصل إلى حجم الانحراف ونوعيته, تبحث الرقابة عن الأفعال, الإجراءات, حالات الامتناع عن أفعال أو اتخاذ إجراءات, التي أدت إلى الانحراف, وتتقصى الأسباب, وتحددها شكلاً وموضوعاً, ويصل ذلك أيضاً إلى معرفة النتائج التي أدى إليها الانحراف, وكذلك الأهداف التي حققها الانحراف أو سعى إليها, عندما يكون مقصوداً, ويُبنى على تحديد أسباب الانحراف, توصيف المشكلة أو الخلل الذي أدى إلى الانحراف وتعيين آليات المعالجة. 4- التوصيف والمعالجة: بعد اعتماد المعايير المناسبة والموضوعية, وتقييم الأداء الفعلي, وتطبيق تلك المعايير على ذلك الأداء وتعيين مواضع الانحرافات وتحديد أسبابها, تتجه أعمال الرقابة إلى مرحلة التوصيف والمعالجة, إذ تضع الجهة الرقابية الخطأ وأسبابه تحت العنوان المناسب, فتتحدد المشكلة ضمن إطار معين, وتصبح ذات تسمية محددة, يُبنى عليها ما يجب اتخاذه من إجراءات حيال المشكلة بذاتها, من أجل سلوك المعالجة, وعندما تضع الرقابة توصيفاً للخطأ, يجب أن يتم وفق المعطيات التي تتوفر لديها وتشير إلى المرتكزات والمستندات التي اعتمدتها في ذلك التوصيف, بحيث لا تهمل جانباً من الخطأ فينمو ويتكرر بفاعلية أقوى, وبحيث لا تهوّل في الأمر فتسبغ توصيفاً طالما يدفع باتجاه ردّات فعل سلبية. ثم تقترح الرقابة ما تراه مناسباً من أجل المعالجة, ومن أجل المحاسبة أيضاً. فقد يكون الأمر لا يحتاج أكثر من تصحيح قرار معين أو إجراء تعديلات في عمل معين أو ترميم حركة مالية أو التوصية بإجراءات محددة, مالية مثلاً كتكليف أشخاص معينين من ذوي العلاقة بدفع مبالغ معينة أو استردادها لصالح الجهة صاحبة العلاقة, أو إدارية: كنقل بعض الموظفين من مواقع ذات أهمية, أو طلب عدم تكليف أشخاص محددين بمهام معينة. وقد ترى الرقابة في الخطأ أو الفعل موضوع البحث مخالفة لقانون جزائي أو إساءة تقتضي المساءلة القضائية فتحيل القضية إلى القضاء المختص للبحث في القضية وإصدار الحكم اللازم. وفي هذه الحالة تضع الجهة الرقابية كل المعطيات التي حصلت عليها وكامل تحقيقاتها والمعلومات التي حصلت عليها بتصرف الجهة القضائية, وتخضع كل المقترحات في هذه الحالة للقرار القضائي المبرم, الذي قد يأتي متفقاً مع توجهاتها أو مخالفاً لها, ويعتبر الحكم القضائي المبرم في كلتا الحالتين (الاتفاق أو المخالفة مع الجهة الرقابية) ملزماً للجهة الرقابية, وتعلق الإجراءات المتخذة من قبلها بما انتهى إليه القضاء, فتُعتمد في حال أقرها الحكم القضائي النهائي, وتسقط تلك الإجراءات إذا لم يتبناها الحكم. ضمانات فاعلية الرقابة: بات من الثابت أن الرقابة تلعب دوراً بارزاً في الحفاظ على المؤسسة, بل وفي تطويرها, إلا أن تحقيق ذلك مشروط بممارستها لدورها بشكل صحيح وفعال, حيث أن الخلل في ممارسة الرقابة لدورها يعطي نتائج عكسية تسيء إلى المؤسسة وتأخذ أبعادها في تراجع المؤسسة وفشلها, لذلك يقول البعض, إن عمل المؤسسة خارج إطار الرقابة أفضل من عملها في ظل رقابة سيئة, ويبرر هذا البعض قوله بأن الرقابة السيئة لا تكشف الأخطاء, وبالتالي فإن المخطئين يستمرون في الوقوع بالأخطاء ويغرقون فيها, وعندما تكون الأخطاء مقصودة يستمر أولئك بممارسة الخطأ بشكل أكبر ويتضخم الضرر الذي يصيب المؤسسة. أما أولئك غير المخطئين فإما أن تطالهم يد الرقابة وتقذف بهم إلى خانة المخطئين طالما أنها لا تعرف أين مكمن الخطأ ولا تضع يدها عليه, وإما أن يجحدوا بجدوى العمل السليم فيغادروا, أو يذهبوا باتجاه الخطأ. لذلك برزت الحاجة الملحة للبحث عما يضمن فاعلية الرقابة, وتنفيذها لعملها بشكل مؤثر وفعّال إذ تحقق هذه الضمانات مصلحة المؤسسة ومصلحة العاملين. ومن حيث المبدأ فإن فعالية الرقابة تقاس بمدى تحقيقها لمفهوم الرقابة بشكل صحيح, وبمدى أدائها لوظيفتها حسبما بينّا سابقاً وبمدى سيرها وفق خطوات ممارسة الرقابة المذكورة آنفاً, يضاف إلى ذلك ضرورة تفعيل وظيفة التخطيط وإيلائها الأهمية اللازمة. فالتخطيط المسبق والمدروس يزيل الكثير من العقبات وينير الطريق أمام القائمين على العمليات الإنتاجية والإدارية, ويضع الرقابة في مسلك واضح المعالم, تسهل فيه عملية القياس والتقييم. كذلك فإن التنظيم يؤطر العمل الإداري ويضع ضوابط قانونية دون تناقض أو ازدواجية, وبتنفيذ عمليتي التخطيط والتنظيم تتعين الأهداف بشكل واضح, وتسير العمليات الإنتاجية والإدارية والمالية دون أن تقف عند مفترقات طرق لا تحدد الاتجاه الصحيح, وتعالج المشكلات بشكل لا يقبل التأويلات المتناقضة. ولنجاح عمليتي التخطيط والتنظيم يلزم وجود هيكل تنظيمي يحدد المسؤوليات والصلاحيات ويرسم نطاق العمل وحدود التداخل وشكله بين أقسام المؤسسة, وكذلك يرسم حدود التداخل وشكله بين مراحل العملية الإنتاجية. ورغم كل ما يقال في ضمان فاعلية الرقابة فإن أكثر ما يضمن هذه الفاعلية هو وضع الرقابة في إطارها الحقيقي الهادف إلى بناء المؤسسة وإبعاد عناصر الخلل, وتنظيم ضوابط هذا الأمر بشكل دقيق وواضح يمنع النفاذ في الاتجاهين فلا تترك الرقابة من مهامها ما يمكن أن يجعلها قاصرة عن أداء وظيفتها, ولا تمارس عملاً ليس من اختصاصها أو من واجباتها. كما يحصّن فاعلية الرقابة بشكل أساسي ابتعادها عن مفهوم ودور الرقابة السلبي المرتكز على المسائل التالية: - تأويل الأفعال وتوصيفها بشكل يجعلها مخالفات وجرائم يعاقب عليها القانون, وإن لم تكن كذلك. - استخدام بعض التحقيقات وإجراءات التحقيق لأغراض تتعلق بالأشخاص ذوي العلاقة, كالضغط عليهم أو الإساءة لهم. - تحول العمل الرقابي إلى أسلوب الإيقاع بالآخرين وتصيّد الأخطاء ووضع الألغام في مسالك العمل. - الإفراط في فرض العقوبات وإكراه الموظفين المبعدين عن وظائفهم, على ممارسة أعمال في غير اختصاصاتهم. - عدم ترك هامش من الحرية لتطبيق وتفسير القوانين والأنظمة, ومساءلة الموظف عن دوافع تحركه في الهامش المتاح قانوناً. بقي لي ختاماً أن أربط كل ما كتبته هنا بالإرادة, الإرادة الصادقة والنزيهة, الإرادة الهادفة إلى ممارسة الرقابة وتحقيقها لأهدافها وضمان فاعليتها, تلك الإرادة التي تجب أن يكون توفرها عند المسؤولين عن الرقابة بكل أشكالها شرطاً لازماً لإناطة هذه المهمة بهم. على أن توفر تلك الإرادة يرمّم الكثير من النواقص فيما سبق وذكرنا. وعلى الضفة الأخرى نرى أن عدم توفر الإرادة النزيهة والبريئة يخلق أسوأ الأثر في ممارسة الرقابة ونتائجها.‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

دمشق

الطقس في دمشق

حلب

الطقس في حلب

اللاذقية

الطقس في اللاذقية

دير الزور

الطقس في دير الزور

تدمر

الطقس في تدمر

 
 

 

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية