يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع - اللاذقية
طباعةحفظ


ثنائية المرأة والوطن في شعر نزار قباني

الوحدة
االأربعاء31/7/2013
أسامة معلا

مَنْ سيكتب عن المرأة وعن الوطن وعن نزار قباني ، يجب عليه أن يحب الوطن أولاً والمرأة ثانياً ونزار قباني ثالثاً .. وعليه أن يكون مطلعاً

على جميع ما كتبه نزار ، وأن يكون ملماً بقصة حياته منذ ولادته على سرير أخضر في 21/آذار 1923 حتى إبحاره في لجة الرحيل في 30/نيسان 1998 .‏

يقال إن الشاعر يتميز عن غيره برؤيته العاطفية للأشياء .. ولكن نزار قباني لم يقف في شعره عند حدود الدفقة العاطفية ولم يكن يحكمه موقف انفعالي عابر أو مزاجي .. وليد لحظة ما .. بل كان متوازناً إلى حد القلق ومنسجماً مع نفسه وفكره إلى حد التوتر والقوة والابداع .. وكان صادقاً في كتابته إلى حد بعيد‏

قد تكون دراسته للحقوق وكتب القانون جعلته ينظر بعين التروي والهدوء والحكم العقلاني على الأحداث والأفعال .. إلا أن اشتباكه بقضايا الوطن وقضايا المجتمع والسياسة جعله أكثر غضباً وتطرفاً وقلقاً في كتاباته خصوصاً عن الوطن . لأن الشاعر يبحث عن وطن ومواطنين وعلاقات اجتماعية .. إن دراسة الوطن في أدب نزار تحمل في أحشائها دراسة المواطن .. لغته ، أحلامه ، مشكلاته، علاقاته الاجتماعية والسياسية .. وإذا ابتدأنا بعلاقاته العاطفية فإننا نجده وطنياً في حبه إلى أبعد حدود الوطنية .. لأن المرأة عنده وطن آخر .. ولا يشعر بحبه لها إلا من خلال حبه للوطن الذي نشأ فيه وانتهى إليه .. وهذا الذي حدث فعلاً فقد واءم نزار بين حبه العاطفي وحبه القومي ورفع قضية الحب من المستوى الذاتي السطحي .. إلى المستوى الوطني ذو الهم العام وكأنه يضع مخططاً جديداً لحبٍ عربي جديد يتجاوز الانفعالات السطحية التملكية الضيقة .. إن محاولة الربط بين الحب والتاريخ يجعل إمكانية التأثير والتأثر بينهما حالة حتمية لا مفر منها .. فحين تكون حركة التاريخ صاعدة .. وإنسانية وتحررية .. تكون حركة الحب كذلك متطورة وإنسانية وتحررية والعكس بالعكس .. لأن حاجات الانسان النفسية والروحية والفكرية والثقافية .. تتطور نحو الأعلى .. وتتغير وفق الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .‏

قومية الحب عند نزار :‏

صارت قضية الربط بين الحب والوطن هاجساً لدى الشاعر نزار قباني ما يفتأ يكررها ويرددها كلما وجد الوقت مناسباً ولعل هذا الربط يحدد خصوصية أدب نزار ومدرسته .. ((الزواج من امرأة .. والزواج من وطن .. مشروع قومي واحد .. ولا تصدقوا من يقول لكم إن المرأة شيء .. والوطن شيء آخر ... فعندما يختار الرجل امرأة ليسكن معها ، أو ليسكن إليها .. فهذا يعني أنه اختار وطناً )) .‏

ولن يمنع الحزن والقلق والغضب نزاراً من تمسكه بالأمل القومي وإيمانه بالحلم الوحدوي الذي لابد س.. يتحقق في يوم من الأيام بالرغم من الصراعات والخلافات الجانبية لأبناء العروبة :‏

(( وما زلت برغم صراع الأخوة ، أخترع الأحلام .. (5)‏

وأقول بأن الله .. سيجمع يوماً ما بين الأرحام ..‏

بهذا التفاؤل والأمل والصفاء الذهني يكتب نزار ويسعى لأن تبقى المرأة التي يحاورها ويجلس إليها ويكتب الشعر بها .. تشاركه حواره وأفكاره عن الوطن والناس والتاريخ .. فيطلب منها أن تتخلى عن جميع أشكال الحب الساذج .. حين يحترق الوطن ويدمر .. حيث تفقد الأنوثة البريئة أنثويتها وحساسيتها .. فقضايا الوطن تتقدم إلى ساحة المواجهة والكتابة .. أنا آت من زمان الوجع القومي .. آت من زمان الانكسار ..‏

إن هذا الوطن المذبوح يا سيدتي واقف خلف الستار .. فاشرحي لي :‏

كيف استنشق عطر امرأة ؟ وأنا تحت الدمار .. ))‏

إذاً دمار الشاعر وانكساره من دمار الوطن وانكساره أيضاً لذا يجب أن تشترك معه المرأة كذلك وتشاركه إحساسه الأليم ووجعه العميق .. وفي هذه الحالة يصبح عاجزاً عن التعامل مع أنوثة المرأة .. لأن حواسه مرهونة للوطن .. يستحضر الوطن المفقود من خلال المرأة ، المرأة = تراب الوطن‏

وباختصار شديد وتكثيف جميل يصيغ أفكاره حتى لتبدو وكأنها قانون اجتماعي يسري مفعوله في كل زمان ومكان ..‏

(( إن الحب هو الحجر الأساسي في تكوين الإنسان وفي تكوين الأوطان )) (8) .‏

ونضيف نحن إن الحب هو الحجر الأساسي في شعر نزار قباني لأنه هو الذي يحدد هوية الانسان وهوية الأوطان ويعقد الصلات بين الشعب وتاريخه وأفكاره ومعتقداته ومن غير الحب ينفصل الانسان عن أخيه الانسان وينسلخ عن واقعه ويصبح غريباً عنه :‏

إني أحبك كي أبقى على صلة بالله ، بالأرضِ بالتاريخ بالزمن (9)‏

أنت البلاد التي تعطي هويتها .. مَنْ لا يحبكِ يبقى دونماً وطنِ‏

حين غادر نزار بلده سورية ليعمل في السلك الدبلوماسي حمل وطنه بقلبه وذهب ولم يقطع صلته بآلامه وأحلامه وقضاياه .. فحين أصدر ديوانه الشهير / يوميات امرأة لا مبالية والذي تقمص فيه شخصية امرأة شرقية .. تبوح بمذكراتها على دفتر .. كان نزار سفيراً لسوريا في الصين عام 1958 .. وحين كان في جنيف عام 1988 كتب القصيدة الدمشقية :‏

هنا جذوري هنا قلبي هنا لغتي فكيف أوضح هل في العشق إيضاحُ ؟‏

ما للعروبة تبدو مثل أرملة .. أليس في كتب التاريخ أفراح ؟‏

سوف تبقى جذوره وقلبه ولغته إلى وطنه الذي يبحث عن أفراحه في كتب التاريخ والتراث ، بينمــــا يعيـش هو في الغربة والأحزان .وكما أن الوطن عند الشاعر القباني ليس وطناً جغرافياً يتألف من تراب وحصى وجبال وأنهار فإن المنفى كذلك عنده لم يكن منفى جغرافياً والاغتراب ليس تهجير الانسان إلى خارج وطنه بل يحدد المنفى بالشروط الاجتماعية والنفسية :‏

(( إن المنفى ليس منفى جغرافياً فقط لكنه منفى عقلي ونفسي أيضاً ، فليس ضرورياً أن تكون خارج وطنك لتكون منفياً ، فهناك منفيون داخل أوطانهم ، وهذا هو المنفى الأشد فجيعة وإيلاماً )) (13) .‏

ويمضي في تصوير اغتراب الشاعر والمواطن في بلده وإن كان قد امتاز بمبالغاته الشعرية إلا أنها تعطي مدلولاً أكبر وتأثيراً أعمق في نفس القارئ ، ولعل هذه إحدى خصائص الشــــعر :‏

يا رب إن لكل جرح ساحلاً وأنا جراحاتي بغير سواحل (14)‏

كل المنافي لا تبدد وحشتي ما دام منفاي الكبير بداخلي‏

(1) إفادة في محكمة الشعر .. الأعمال السياسية .. ص 78 .‏

(2) قصتي مع الشعر .. منشورات نزار قباني الطبعة السابعة .. 1986 ص 143 .‏

(3) العصافير لا تطلب تأشيرة دخول .. منشورات نزار قباني .. ص 151 .‏

(4) قصيدة بلقيس .. منشورات نزار قباني .‏

(5) تزوجتك أيتها الحرية .. منشورات نزار قباني ، قصيدة حلم قومي .‏

(6) نفس المرجع السابق .. قصيدة حوار مع امرأة غير ملتزمة .‏

(7) مجلة مرايا المدينة .. العدد 82 حزيران 1998 ص 54 مقطع من أشعار نزار قباني استشهدت به الكاتبة مي منسي ، حين كتبت عنه .‏

(8) العصافير لا تطلب تأشيرة دخول .. منشورات نزار قباني .. ص 50 .‏

(9) مجلة العربي العدد 401 نيسان 1992 .. يستشهد الشاعر نزار قباني بهذه الأبيات في حواره مع سعاد الصباح .‏

(10) مواويل دمشقية إلى قمر بغداد / الأعمال السياسية الكاملة / من أمسية شعرية في العراق أقامها في 10/2/1979 .‏

(11) إفادة من محكمة الشعر ، الأعمال السياسية .. ص 64 .‏

(12) القصيدة الدمشقية ، ملحق الثورة الثقافي / العدد 93 .. تاريخ 21/12/1997 .‏

(13) مجلة العربي ، العدد 401 نيسان 1992 .. ص 72 . في حوار أجرته سعاد الصباح مع نزار قباني .‏

(14) مجلة العربي ، العدد 401 نيسان 1992 في رده على سؤال سعاد الصباح يستشهد بهذين البيتين من شعره .‏

إضافة تعليق
اسم صاحب التعليق:
البريد الإلكتروني لصاحب التعليق:
نص التعليق:
 

دمشق

الطقس في دمشق

حلب

الطقس في حلب

اللاذقية

الطقس في اللاذقية

دير الزور

الطقس في دير الزور

تدمر

الطقس في تدمر

 
 

 

مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر ـ دمشق ـ سورية