الريف والاكتفاء الذاتي... مشكلة ثلاثية الأبعاد!

الوحدة 30-6-2020

 

عندما يعمل (دكان) الخضار في الريف كما يعمل في المدينة، فنحن أمام مشكلة حقيقية كفيلة بزيادة ضغط النفقات الاستهلاكية، ورفع مستوى المعاناة المعيشية.

في وقتٍ كنّا نرفل فيه برغد العيش قياساً بأيامنا السوداء هذه، كانت الأرض تئن من هجراننا، وتحلف أغلظ الأيمان بأنها لن تعود إلينا ولو عدنا، فمن حقها أن تجافينا وتلفظنا بعدما تحولنا إلى مجتمع استهلاكي، يأكل مما لا يزرع، وينتظر بواخر الحمص والذرة ودوار الشمس على قارعة موانئ ساحلنا.

لو زرنا أي قرية في ريفنا، سنرى بأم العين عشرات السيارات الممتلئة بالخضار وهي تجوب حارات القرية، والنساء تلتف حولها لشراء حاجيات المنزل من خيار وبندورة وباذنجان وما شابه.

المشهد مستفز ولا يتناسب مع قدرة أبناء الريف على الاكتفاء الذاتي من هذه المواد على الأقل، فالحساب يجمع كما يقال، وثمن فاتورة الخضار قد تعادل راتب موظف في هذا الزمن الصعب، ولكن الكسل، وامتهان الاسترخاء، يجعلان من الراتب ضحية سهلة المنال أمام قليل من الخضار.

نسأل العديد من أبناء القرى عن سبب امتناعهم عن الزراعة، فيرمون بالتهمة مباشرة على شح المياه، وغلاء الشتول والبذار، وأدوات الزراعة، وكله لا يشكل سبباً مكتملاً لترك استثمارهم للأراضي، ولكنها في الوقت ذاته حجج معتبرة، وتلامس الواقع إلى حد بعيد.

شعارات الحكومة توحي بأنها ستقدم المن والسلوى للمزارع كرمى لاستعادة نشاطه، ومواجهة قوانين الظلم والحصار وشذاذ الآفاق، وتشعر وأنت تتابع اجتماعات الجهات المعنية بالقطاع الزراعي، بأن هذا القطاع سينتج أكثر مما تنتجه هولندا، فما يُصور لا يشبه الواقع، ولا يمت إليه بصلة، وعندما نزور أي صيدلية زراعية، سنأخذ فكرة كافية عن السبب الجوهري لاستمرار عزوف الناس عن الزراعة، فإن كانت الفترات الماضية شهدت كسلاً واتكالاً على الغير، فالأيام الحالية شطبت مصطلح الكسل من القاموس، وفرضت على الجميع استثمار أي شيء لتعبيد طرق المعيشة، ولكن النشاط يحتاج إلى أدوات، والزراعة كما الصناعة تحتاج إلى مواد أولية وبيئة صالحة للعمل.

أحد مزارعي البيوت البلاستيكية قال لنا:

زرعت موسماً قصيراً قبل دخول فصل الصيف، فأنتجت منه ٤٠٠ ألف ليرة، وهذا الرقم كان يعتبر جيداً، ولكنني عندما زرت الصيدليات الزراعية، عرفت أن مدخول الموسم إياه ذهب مع الريح، فثمن المواد الأولية لزراعة البيت البلاستيكي من جديد تساوي ضعف ما أنتجته من الموسم القصير، ولا قدرة لإعادة زراعته إلا في حال انخفضت الأسعار، أو قُدم لنا دعم ما عبر أصحاب الشعارات الفاقعة.

مزارع آخر من بيئة جبلية قال: كنا نزرع كل ما يخطر على البال فيما مضى، ومع التطور السكاني والعمراني، ضاقت المساحات، وشحت الينابيع، وبتنا نعيش على المياه التي تضخ لنا من نهر السن.

وأردف قائلاً: رغم كل شيء مازالت المساحة الخضراء كافية لسد احتياجات كل منزل في القرية من الخضار الموسمية، ولكننا نصطدم بواقع مائي قاس، حيث أننا لا نرى المياه إلا مرة واحدة في الأسبوع، وفي أحسن الأحوال قد يمنّون علينا بيومين، وهي غير كافية بأي حال للشرب والغسيل والسقاية، فترى الأكثرية ممتنعة عن الزراعة خوفاً من يباس خضرواتهم تحت ضغط الحاجة للمياه.

من جهة أخرى صدمنا بارتفاع جنوني للبذار والشتول والأسمدة، مع أننا نسمع دائماً من المسؤولين أنهم سيدعمون الزراعة والمزارعين، ويطلقون مشاريع حول تمكين المرأة الريفية، والمشاريع الزراعية الصغيرة، ولا نرى على الأرض أي شيء.

ويقول مواطن عاد إلى زراعة أرضه من جديد: فرض علينا شظف العيش أن نعود لأرضنا علها تشكل معيلاً لنا، واعتمدت على خزان ماء قديم ورثته عن الآباء، فحُلت مسألة المياه بالنسبة لي، وزرعت ما وجدته كافياً لسد حاجات بيتي، ولكنني فوجئت مع بلوغ الشتول، بأنواع غريبة من الحشرات، فالبندورة ضربتها الفراشة، والخيار سطت عليه الدودة الخياطة، وبدأت أوراقه تصفر، فذهبت إلى الصيدلية الزراعية لجلب المبيدات المناسبة، ولكنني عدت أدراجي بعد الاطلاع على الأسعار (الباريسية)، ووجدت أن تكلفة علاج هذه المزروعات يساوي أضعاف ما سأجنيه منها، ولا مبرر لصرف ما في الجيب كرمى لما سيحمله الغيب.

بالمحصلة: لا نستطيع إلقاء كل اللوم على من ترك أرضه بوراً، فعوامل الامتناع منطقية في كثير من الأحيان، والمسؤول الأول عن هذا الوضع هي الدوائر المعنية بالقطاع الزراعي، والوحدات الإرشادية المنتشرة في الأرياف، وإن جردنا عدد الآفات والأمراض المنتشرة بين الزراعات المختلفة، سنجد أننا مقبولون على أضرار لا تحصى، وسيكون الواقع الزراعي أمام مشكلة كبيرة، لا تتناسب أبداً مع تعويلنا على النهوض به لمجابهة الأزمة المعيشية الحادة، وإن بقينا نردد الشعارات بلا عمل جاد، سيفرح (قيصر) وأعوانه، ويخلدون للنوم براحة تامة، فهل من يسمع ويرى يا ترى؟.

غيث حسن


طباعة   البريد الإلكتروني