خدمـــات صحيـــة تتفوّق على الخـــاص.. والأخطـــاء الفرديــة ليســـت معيـــــــاراً

العـــــدد 9481

الثلاثـــــــاء 3 كانون الأول 2019

 

امتنان كبير لدى المواطنين عن مجمل الخدمات الصحية المتوفرة لهم، وإن كان هناك من عتب فهو على بعض الممارسات الشخصية الفردية التي تسيء أو تشوّه صورة الخدمات الصحية المقدمة من قبل الدولة لمواطنيها..
لن نحيط بكلّ ما هو متوفر من خدمات صحية، ولكن نسلّط الضوء على بعضها، ومن خلالها يمكن القياس والتقريب وإطلاق الأحكام، ونتمنى على الإخوة المواطنين أن يستفيدوا مما هو حقّ لهم بدل أن يدفعوا مبالغ طائلة في المشافي أو العيادات الخاصة والتي لا تملطك ربع ما تملكه مشافي الدولة ومراكزها الصحية من مقومات..

 

 

إنفاقه الجاري 10 مليارات ليرة وخدماته على مدار الـ24 ساعة
882 سريراً و27 غرفة عمليات و23 غرفة عناية مشددة في مشفى تشرين


صدفة جمعتني بطبيبة لأكتشف أن العائلة كلها أطباء سألتها: إذا تعرضت (لا سمح الله) لحادث سير أو لطارئ صحي ما، إلى أين تفضلين إسعافك، إلى مشفى عام أو خاص؟ أجابت دون تردد وبسرعة، إلى مشفى عام طبعاً وبتأكيد لا يقبل النقاش، وتساءلت: هل هناك مشفى خاص قادر أن يكون بمستوى 5% من إمكانيات مشفى حكومي؟
لا مجال للمقارنة بين مشفى عام وخاص من حيث الأجهزة الموجودة، والإمكانيات المتوفرة من الكادر الطبي، والتمريضي والفني بينما إمكانيات المشافي الخاصة متواضعة وكل شيء محسوب مادياً، لأنه استثمار.
استدركت قائلة: لكن إذا احتجت لعملية باردة أختار مشفى خاصاً، أمام استغرابي أوضحت: السبب هو الموقع الاجتماعي والمحيط (بريستيج) قد لا أتوافق معه لكنه واقع نعيشه، واختيار المشفى الخاص لعملية باردة سيكون تحت إشرافنا كعائلة أطباء بعد اختيار الطبيب الذي سيجري العملية، ولفتت إلى أن الأغنياء والفقراء يختارون المشفى الحكومي بينما من بقي من الطبقة الوسطى أو المثقفة ولديهم منطق (صحتنا بالدنيا) يختارون طبيباً لإجراء عملية بمشفى خاص، ليشعروا براحة وهدوء واهتمام بعيداً عن ازدحام المشفى العام، رغم أن عوامل الأمان بالمشفى العام أكبر عند إجراء عملية، قد يتعرض المريض لأزمة قلبية أو لطارئ، وبهذه الحالة يتعامل الكادر الطبي بالعمليات مع حالته باهتمام ومتابعة مع وجود أجهزة، بينما في المشفى الخاص ستبدأ الاتصالات بالأخصائي وقد لا يحضر، وقد يكون السبب أن المشافي الخاصة تأخذ عشرات الآلاف على العملية لكنها تحاسب الطبيب بجزء بسيط منها،
ومعظم الأطباء يعملون بين المشافي العامة والخاصة، ورداً على سؤال حول وجود حالات اتفاق بين طبيب ومريض لإجراء عملية في مشفى عام بعد تحويله من العيادة مع دفع مبلغ بسيط للطبيب لإجرائها في المشفى العام، رأت أنها حالة موجودة بعد تشخيص حالة مرضية بالعيادة وتأكيد ضرورة إجراء عملية، أجرى الطبيب العملية بنجاح وتم دفع مبلغ بسيط له بالعيادة لكن لو أجرت المريضة العملية بمشفى خاص لكلفتها مبلغاً كبيراً، وأضافت: هل نتحدث عن الواقع أم نطالب الطبيب أن يكون ملاكاً في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وخصوصاً للأطباء الشباب الذين تعلموا بالبلد وأنشأناهم على حب الوطن والانتماء، لكن راتب الطبيب (30) ألف ليرة وبعد الزيادة وصل إلى (50) ألف ليرة، أليس من حقهم أن يبحثوا عن فرصة للحياة والعمل بعد تفوقهم بعلمهم وسعيهم لحياة أفضل؟
نأمل ألا يسافروا للعمل بالخارج بوجود ضغوط لمحسوبيات والفساد والمردود المادي الضعيف، مع إثبات الطبيب السوري جدارته بالخارج نتساءل: لماذا لا يأخذ فرصته بالبلد ونستفيد من علمه دون محسوبيات مع اكتفاء مادي وعيش كريم؟
وطلبت أن نشير إلى ما تقدمه المراكز الصحية من خدمات ممتازة ومميزة مع خبرة تراكمية بجوانب عدة تتعلق باللقاح، ورعاية الطفل والمرأة وتنظيم الأسرة.
وفيما يخص التأمين الصحي، ودخول شركات التأمين للتعاقد مع مؤسسات حكومية لخدمة الموظف طبياً، برأيها الشخصي، التأمين نقطة سوداء في تاريخ الطبابة، لأن التأمين بيد مجموعة محدودة اغتنت من التأمين، وتتلاعب به، وتم وضع سقف محدود بينما في السابق كان هناك طبابة عامة، حسب نظام كل مؤسسة، بشكل عام كان الموظف مخدّماً طبياً بشكل مباشر (دواء، تحاليل، عملية) بلا سقف، لكن حالياً هناك تعقيداً لعملية استفادة الموظف من الطبابة.
هل المشافي الخاصة كي لا يجوع الطبيب؟
محمد لم يستطيع تحّمل ازدحام غرفة العناية المشددة بعد إجراء قثطرة في مشفى الأسد سابقاً، ورؤية المرضى حوله بحالات صعبة تدهورت حالته النفسية قبل الصحية، مع تشخيص الطبيب وقراره بحاجته إلى عملية قلب مفتوح، اتخذ القرار لإجرائها في مشفى خاص رغم التكلفة الكبيرة، نجحت العملية ويتابع حالته الصحية مع طبيبة في العيادة.
الطبابة العامة نعمة في بلدنا نأمل ألا نفقدها
أشادت أم علي بالخدمات الطبية التي قدمت في مشفى تشرين لأخيها الذي أقام ثمانية شهور متقطعة في المشفى، بالإضافة إلى الطعام النظيف الذي قد لا نجد مثله في بيوتنا في ظل الظروف الاقتصادية و(التعتير) توقفت عند كورس علاج لدواء أبر التهاب لمدة (15) يوماً بتكلفة (100) ألف ليرة ولفتت إلى فروق فردية في التعامل مع المريض من قبل الممرضات.
المهندسة وفاء مقدسي دخل زوجها بحالة إسعافية بحالة كسر عنق الفخذ إلى مشفى تشرين ليبقى نحو شهر ونصف إقامة متواصلة، تم إجراء العملية ولم تدفع فرنكاً واحداً، ولم تحتج إلى (واسطة) ولم تتعرض لأي ضغط لدفع رشوة، وشكرت الأطباء المقيمين في قسم العظمية الذين كانوا تحت الطلب في أي وقت ليلاً ونهاراً بلا تلكؤ أو تأفف، بالإضافة إلى الكادر الطبي فيه وعاملات النظافة ومع قناعتها بأننا يجب أن نطالب بحقنا في المشافي العامة، إلا انها وبناءً على تجربة شخصية لم تجد ما تشير إليه من سلبيات من خلال ما عاشته في الواقع وليس إطلاق أحكام من بعيد، حتى وجبات الطعام كانت ممتازة.
أما أم طوني كان التشخيص حالتها الصحية اختارت الطبيب وأجرت العملية في مشفى خاص، مع وضع مادي سمح لها بدفع تكاليف العملية بعدما أبدت تخوفها من التعقيم في غرف العمليات والعناية المشددة لكنها لم تنسى ما علق في ذاكرتها من موقف طبيبة الصدرية الدكتورة زينب حلوم التي تعاملت مع (مريض سل) في مشفى عام وعرضت نفسها للخطر أمام تهرب كثيرين من أقاربه وبعض الأطباء والممرضات خوفاً من العدوى، لم تتخل عن المريض وتابعت حالته عن قرب حتى الشفاء.
قالت يسرا علي: لو في (حبة ضمير) من بعض كوادر المشافي العامة كانت تضاهي أفضل مشفى خاص، وما ينفق من الدولة على المشافي العامة يفوق تصور الخيال، وخصوصاً لأدوية الأمراض المزمنة والأورام.
أمّا ميادة فقد تساءلت: لماذا لا يلتزم المواطن الذي يدخل مشفى عاماً بالقوانين والنظام والنظافة بينما في المشفى الخاص يظهر حرصه على أن يبدو من (الأكابر) بكل تصرفاته داخل المشفى.
وأضافت: رافقت زوجي في إقامته للعلاج بمشفى عام، كنت أحضر مواد التنظيف والتعقيم إلى غرفتنا وأنظف الغرفة ودورات المياه بنفسي، بينما ألاحظ حالات استهتار وإدخال الطعام ورمي البقايا بأسلوب مستفز لي لغياب النظافة الشخصية وهنا لا يحق لهم أمر عاملة التنظيفات بالخضوع لطلباتهم بالتنظيف مراراً، والشكوى من عدم نظافة المشفى، على مبدأ أنه مشفى عام وهذا حقهم وواجب على إدارة المشفى، المشفى الحكومي من الأملاك العامة يبقى ما بقي حرصنا عليه كمواطنين قبل أن نطالب بحقوقنا هناك واجبنا فالطبابة العامة نعمة في بلدنا نأمل أن لا نفقدها بالخصخصة.


لسنا حقل تجارب في قسم الإسعاف؟
ما يتم تداوله بين الناس من تحذيرات حول دخول قسم الإسعاف في مشفى تشرين لأي طارئ تعليمي، ولن نجد بالقسم إلاَّ طلاب طب وسنكون حقل تجارب لهم، قام بنفيه المعاون الطبي لمشفى تشرين الدكتور علي محمد علوش مؤكداً: لا يوجد طالب طب يستقبل حالات إسعاف بينما من يستقبل المرضى هو طبيب عام متخرج ومقيم بقصد الاختصاص وما يميزه في مشفى تشرين أنه طبيب دراسات عليا، حصل على بورد سوري ويتابع ماجستير دراسات عليا، وهؤلاء معدلاتهم الأعلى (ممكن ببعض الحالات وجود طالب مع أستاذه لمتابعة حالة طبية يتعلمها).
وأشار إلى أن الخدمات الطبية للحالات الإسعافية متوفرة على مدار 24 ساعة، وفقاً للقانون الناظم للإسعاف، وهو يلزم أيضاً المشافي الخاصة بتقديم الخدمات الصحية الإسعافية مجاناً.
وبنظام عمل المشفى تقدم الخدمات الطبية مجاناً للعامة وكل ما يحتاجه مرضى الأورام، ولذوي الشهداء، ومصابي الجيش العربي السوري، ولموظفي المشفى وهناك القسم المأجور، يقدم خدماته الطبية بناء على رغبة المريض باختيار القسم الخاص، إضافة إلى مؤسسات حكومية بناء على عقود تعالج موظفيها على نفقتها، وشركات تأمين صحي، وبعض الجمعيات الخيرية أو الاجتماعية، والتسعيرة للقسم الخاص مبينة وفق تعرفة وزارة الصحة مع بعض التعديلات بعد موافقة الوزارة.
ذل قرشك ولا تذل نفسك؟
ديمة لها تجربة مريرة أزعجها إنني ذكرتها بها، لتتذكر تلك اللحظات التي تم إسعاف والدها نتيجة جلطة دماغية إلى المشفى الوطني، لتنتقد استقبال طبيب الإسعاف لوالدها بلا إنسانية لأنه رجل كبير بالسن مع لامبالاة تجاه لهفتها على والدها، متساءلة: هل إذا كان كبيراً بالسن يجب أن يموت بنظرهم؟
عدا عن مظاهر بقسم الإسعاف غير مناسبة من ناحية النظافة بالمشفى، لم يحظ باهتمام مطلوب بعد أن وضعوا له السيروم، قررت العائلة سحب السيروم والذهاب إلى مشفى خاص لإنقاذه بعد الاتصال بطبيبه الخاص، ومع تقديم ملاحظات على التكاليف الباهظة التي دفعت في المشفى تحسنت حالته وهو بخير رغم حقي بتقديم خدمة طبيبة في مشفى عام لكن لم أشعر بالكرامة فيه.
من جانبه أبو أحمد يشعر بندم كبير لأنه أجرى عملية جراحية في مشفى خاص وبعد أن ساءت حالته الصحية، تم تحويله إلى مشفى عام، وتدّخل (الله) لإنقاذه مع عناية بالمشفى بينما صديق له تم نقله من المشفى الخاص إلى العام بعد تدهور حالته خلال العلاج وتوفى في المشفى العامّ.
مشفى تشرين مدينة طبية بمستوى خدمات نطمح له؟
يضم المشفى موازنة الإنفاق الجاري لمشفى تشرين (10) مليارات ليرة، 33 غرفة عناية مشددة، و9 مخابر و 185 عضو هيئة تدريسية، و128 من الأطباء المتعاقدين أو على الملاك، فيما عدد طلاب الدراسات العليا (1035) طالباً، ووصل الكادر التمريضي إلى (942) ممرضة.
أمّا الخدمات الطبية المقدمة وصل عدد المرضى المقبولين من 1/1/ إلى 31/10/2019 إلى (28581)، فيما عدد مراجعي العيادات الخارجية 113366أما في قسم الإسعاف 178366 وعدد الصور الشعاعية 138769، وعدد التحاليل المخبرية 1,729،979وعدد صور الطبقي المحوري 10830، وحالات تخطيط القلب 156882، والمعالجين بالليزر 405، عدد جلسات الكلية الصناعية 1886، فيما عدد العمليات على اختلافها، وبين إسعافي وباردة 10429 هل هذه المدينة الطبية بمستوى خدمات طبية نطمح لها؟
قد يكون الجواب مرتبطاً بمعادلة ربط الإنتاج بالأجر للعاملين بالمشفى على اختلافهم بين (طبيب، ممرضة، فني، إداري).
هذا سبب جوهري سينعكس على جودة الخدمة الطبية ونوعيتها (من لا يعمل لا يخطئ) الذي يقوم بعمله بواجبه ويتحمل الضغط.
واستمرار العمل لساعات طويلة مع شعور بالرضى بأنه يحصل لقاء عمله على أجر مناسب، سيكون دافعاً لطبيب المناوبة والممرضة، والموظف الإداري لينعكس إيجاباً على الخدمة الطبية كاملة، وتنعكس بالفائدة على الجميع، فالطبيب عندما يحوّل مريض لإجراء عملية بالمشفى ستظهر النتائج الإيجابية لصالح المشفى، والطبيب، والمريض والموظف الإداري، وهذا ما يتم لمسه بالقسم المأجور بالمشفى رغم التسعيرة أو التكلفة التي يدفعها المريض فيه أقل بكثير لأي حالة مشابهة في مشفى خاص، والطبيب يأخذ نسبة، لكن الأنظمة والقوانين عثرة من خلال ما يبقى من كتلة الإيرادات للقسم المأجور بتحويلها إلى خزينة الدولة بعد اقتطاع تكلفة المواد الطبية للمريض مع نسبة للطبيب وجزء بسيط جداً للموظفين الإداريين لماذا لا يتم رفع النسبة المخصصة للموظفين بالمشفى؟
من يقوم بعمله، ويتحمل الضغط سيصل إلى مرحلة أمام منظومة الأجور والرواتب تقوده ليكون كسولاً أو لا مبالاة لتتأثر سلباً الخدمة المقدمة أو قد تتحرك ما كينة الفساد لتعمل عملها مع شعور بالغبن من أجور غير كافية لتأمين مستلزمات الحياة، والمبررات جاهزة.
في الختام مبنى ضخم، وأجهزة متوفرة، وطاقة استيعابية عالية للمرضى ومروحة عمليات وعيادات ودعم وتمويل من الدولة لتنجح تلك المدينة الطبية بتقديم خدمات أفضل، نحتاج لربط الأجور بالإنتاج من الطبيب إلى الموظف والاستفادة من الإيرادات عبر توزيعها لتحفيزهم على العمل.

وداد إبراهيم 


طباعة   البريد الإلكتروني